بمناسبة إعلان نتائج دبلوم التعليم العام، واستعداد آلاف الطلاب الناجحين لدخول مرحلة تعليمية جديدة، يتحدد على ضوئها مستقبلهم العلمي والمهني، يعود الحديث من جديد عن التخصصات الجامعية وعلاقتها بسوق العمل، والتسارع الرهيب والتغيرات التي تشهدها بورصة الوظائف، وأيُّها له مستقبل وعليه طلب في سوق العمل، والتخصصات التي انخفضت أسهمها وخفت بريقها، والوظائف التي اختفت أو معرضة للانقراض، والتخصصات التي لم يعد عليها طلب، والتي تزداد الدعوة للتوقف عن تدريسها في الجامعات، لأن خريجيها لا يجدون وظيفة، ويضطرون لقبول وظائف بعيدة عن تخصصهم، أو تحويل دراستهم لتخصص مطلوب في سوق العمل، مما يُعدُّ هدرًا للإمكانيات المادية والبشرية، فليس من المنطق استمرار كليات أو أقسام داخل الجامعات تدرس تخصصًّا لم يعد له مكان في سوق العمل.
للأسف كثير من طلاب دبلوم التعليم العام، يعيشون فترة المراهقة التي تنعكس على توجهاتهم و اختياراتهم، ويعانون التشتت وعدم فهم أنفسهم وقدراتهم الحقيقية، فليس من الحكمة أن تختار تخصصًّا مرموقًا تتمناه، وأنت لا تمتلك المؤهلات اللازمة لدراسته، لابد أن تتعرف على نقاط قوتك وتنميها، وتتجنب الدخول في مغامرات دراسية بعيدة عن المواد والمهارات التي تجيدها، حتى لو صادف وحصلت على الدرجات المطلوبة لدراستها، فمن الأفضل أن تحب ما تدرس وأن يكون متّفقًا مع ميولك واهتماماتك، وهنا يأتي دور المرشد الطلابي في توجيه الطالب لاختيار التخصص الذي يتناسب مع إمكانياته وقدراته العلمية، بغض النظر عن الدرجات الحاصل عليها.
وتبذل سلطنة عمان جهودًا كبيرة لتطوير التعليم الجامعي، بتزويده بأحدث البرامج والتقنيات العلمية، وتعزيز البيئة التعليمية وتشجيع الابتكار والبحث العلمي، واستطاعت الجامعات العمانية التواجد ضمن تصنيفات أفضل 500 جامعة على مستوى العالم، وحقق كثير منها معايير الجودة العالمية، وأبرمت كثير منها شراكات مع جامعات عالمية، في أوروبا والولايات المتحدة، وهناك جهود مستمرة، لتطوير البرامج الجامعية، لتتواكب مع المتغيرات العالمية، وإدخال تخصصات جديدة في المسارات التعليمية، كالذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية.
وتعمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار على توفير البيئة الداعمة والمحفزة للباحثين بمختلف تخصصاتهم، مثل برنامج الدعم المؤسسي المبني على الكفاءة الذي يقدم الدعم للمقترحات البحثية الواردة من القطاع الأكاديمي على أسس تنافسية، وبرنامج مشاريع البحوث الاستراتيجية الذي يقدم الدعم لإيجاد حلول للتحديات التي تواجه القطاعات الوطنية الاقتصادية والخدمية المرتبطة بالقطاع الحكومي، وبرنامج «إيجاد» الذي يقدم الدعم للباحثين المهتمين بالقطاع الصناعي، والذين يبحثون عن حلول للتحديات التي تواجه الصناعات المختلفة، من خلال البحث العلمي الرصين، من أجل زيادة إنتاج المصانع في القطاعين العام والخاص.
وواكب افتتاح جامعة السلطان قابوس في العام 1986م، انطلاق مسيرة النهضة العمانية الحديثة، واستطاعت الجامعة الوليدة رفد سوق العمل وتلبية متطلبات التنمية في سلطنة عمان، بآلاف الكوادر الوطنية المؤهلة تأهيلًا نظريًّا وعلميًّا وعمليًّا راقيًا، ونجحت هذه الكوادر، مع مرور الزمن وتراكم الخبرات في تبوؤ أرفع المناصب، وإدارة دفة القيادة في كافة القطاعات والمجالات، حتى أصبحت سلطنة عمان اليوم في طليعة الدول الخليجية، المكتفية ذاتيًّا بالأيدي العاملة الوطنية الكفؤءة في مجالات التعليم والإدارة والوظائف الهندسية والطبية، التي نالت الإعجاب والثقة من الجميع داخل سلطنة عمان، بل هناك تهافت من دول الخليج للاستعانة بالكوادر العمانية في كافة المجالات والتخصصات، بفضل التعليم الجيد الذي تلقوه، وبرامج التدريب والتأهيل التي حرصت الحكومة على تقديمه للخريجين، حتى يكونوا قادرين على تلبية متطلبات سوق العمل والمنافسة في الداخل والخارج.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري