تكتسب الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة أهميَّة استثنائيَّة في الاقتصادات الحديثة؛ لأنَّها من أكثر المؤشِّرات قدرةً على قياس ثقة الأسواق في مستقبل الدول. فالمستثمر لا يغامر برأس ماله اعتمادًا على الانطباعات، وإنَّما يبني قراره على قراءة دقيقة للاستقرار، وكفاءة التشريعات، وقدرة الاقتصاد على تحقيق النُّمو، ومن هذا المنطلق يحمل ارتفاع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في سلطنة عُمان بنسبة (8.7) بالمئة بنهاية الرُّبع الأوَّل من عام (2026) دلالات تتجاوز قِيمة الرقم نفسه؛ إذ ارتفع الرصيد إلى (32) مليارًا و(197) مليون ريال عُماني، فيما بلغت التدفقات الاستثماريَّة الجديدة خلال ثلاثة أشهر فقط ملياريْنِ و(567) مليونًا و(100) ألف ريال عُماني، وهي مؤشِّرات تعكس استمرار قدرة الاقتصاد الوطني على جذب رؤوس الأموال، وتؤكِّد أنَّ بيئة الأعمال في سلطنة عُمان تواصل تعزيز حضورها على خريطة الاستثمار الإقليميَّة والدوليَّة.
ولعلَّ هذه النتائج جاءت امتدادًا لمسار اقتصادي اعتمد على تطوير البيئة الاستثماريَّة، وتحديث التشريعات، ورفع كفاءة الخدمات، وتوسيع الحوافز أمام المستثمرين، وهي خطوات انعكست على قرارات الشركات العالميَّة. ويظهر ذلك بوضوح في استمرار المملكة المُتَّحدة؛ بوصفها أكبر مستثمر أجنبي في السلطنة، باستثمارات بلغت (16) مليارًا و(884) مليونًا و(500) ألف ريال عُماني، محقِّقةً نُموًّا نسبته (9.9) بالمئة، تلتها الولايات المُتَّحدة باستثمارات وصلتْ إلى (8) مليارات و(695) مليونًا و(600) ألف ريال عماني، بنُموٍّ (10) بالمئة، ثم الكويت باستثمارات بلغتْ مليارًا و(444) مليونًا و(200) ألف ريال عماني، والصين التي ارتفعت استثماراتها إلى (901) مليون و(500) ألف ريال عماني، ويظهر هذا التنوع في مصادر الاستثمار اتِّساع دائرة الثقة الدوليَّة بالاقتصاد العُماني، ويمنحه قدرًا أكبر من المرونة في مواجهة المتغيِّرات الاقتصاديَّة العالميَّة.
وتؤكِّد الأرقام كذلك على أنَّ الاستثمار الأجنبي يرتبط بالإنتاج قَبل ارتباطه بالتمويل؛ فاستحواذ قِطاع استخراج النفط والغاز على استثمارات، بلغتْ (25) مليارًا و(888) مليونًا و(900) ألف ريال عُماني، بنُموٍّ (9.5) بالمئة، يعكس استمرار قوَّة هذا القِطاع في جذب رؤوس الأموال، وفي الوقت نفسه، يتجلى نُمو قِطاع الصناعة التحويليَّة إلى ملياريْنِ و(870) مليونًا و(200) ألف ريال عماني، والوساطة الماليَّة إلى مليار و(565) مليونًا و(300) ألف ريال عماني، في اتِّساع قاعدة الأنشطة الاقتصاديَّة القادرة على استقطاب المستثمرين. وهذه المؤشِّرات تعني توسُّعًا في الطاقة الإنتاجيَّة، ونقلًا للخبرات، وتوفيرًا لفرص العمل، ودعمًا للصادرات، ورفعًا لمستوى التنافسيَّة، وهي النتائج التي تمنح الاستثمار قِيمة اقتصاديَّة تمتدُّ آثارها إلى مختلف القِطاعات.
إنَّ المحافظة على هذا المسار تتطلب مواصلة تطوير بيئة الأعمال، وتعزيز سرعة الإنجاز، ورفع كفاءة الخدمات، وتوجيه الجهود نحو استقطاب الاستثمارات التي تُحقق قِيمة مضافةً مرتفعةً، وتُسهم في توطين الصناعات، ونقل التقنيَّات، وتعزيز المحتوى المحلِّي، وفتح آفاقٍ أوسع أمام المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة في سلاسل الإنتاج. فالمنافسة العالميَّة على رؤوس الأموال أصبحت أكثر شدَّة، والدول التي تحافظ على جاذبيَّتها هي التي تجعل الاستثمار شريكًا في بناء الاقتصاد، لا مصدرًا للتمويل فقط. وعندما تتواصل قدرة سلطنة عُمان على تحويل الثقة الدوليَّة إلى استثمارات جديدة، فإنَّها ترسِّخ قاعدةً اقتصاديَّة أكثر تنوعًا، وتدعم مَسيرةً تنمويَّة تنعكس آثارها على الإنتاج، وفرص العمل، والنُّمو المستدام.