سياسة الحدِّ الأدنى للأجور تهدف إلى دعم أيدي العاملة الأقل تدريبًا ومهارة، خصوصًا أن فرص التعليم والتدريب قد لا تكون متاحة للجميع في مختلف مراحل التعليم، ممَّا يجعل الأيدي العاملة الأقل مهارةً عُرضة لضغوط سوق العمل، وعلى هذا الأساس، اعتبر صانعو السياسات وأصحاب القرار أن هناك مبررًا قويًّا لعدم رفض تطبيق هذه السياسة، رغم أنها تُشوِّه آليَّة السوق من الناحية الاقتصاديَّة البحتة، حيث إن الأبعاد الاجتماعيَّة وضرورات العدالة قد تفرض على صانعي القرار قَبول بعض التشوُّهات الناتجة عن تطبيق سياسة الحدِّ الأدنى للأُجور، بهدف حماية العمَّال ذوي الأُجور المنخفضة.
لقد كان للثورة الصناعيَّة دور كبير في تطوير الاقتصاد العالمي والدفع باتجاه النُّمو المتسارع، إلَّا أنَّه مثَّل ضغطًا عاليًا على رأس المال البشري في اتجاه التعلم والتطوير حتى يجاري فكرة إحلال الآلة محلَّ الإنسان، أو القَبول بأجر منخفض جدًّا يدفع صاحب العمل إلى اتخاذ قرار الإبقاء على العامل، ولكن هذا العامل سيعيش في مستوى معيشة منخفض، ويقلِّل من فرص بناء طبقة متوسطة قويَّة يعتمد عليها الاقتصاد في المدى الطويل، إلَّا أنه يجب التذكير بأن التوسُّع في سياسة الحدِّ الأدنى للأُجور من شأنه أن يرفع مستوى الباحثين عن عمل في صفوف الأيدي العاملة الأقل تدريبًا.
ولكن بعيدًا عن المشجِّعين للتوسُّع في سياسة الحدِّ الأدنى للأُجور والمعارضين له، مثَّلت هذه السياسة أداة للدفاع عن القوى العاملة غير المؤهلة وغير المدربة، ولم تكُن يومًا أداة لمساعدة القوى العاملة الماهرة والمدرَّبة؛ كونها تعمل في مستوى أجرٍ عالٍ ولا تستفيد من وجود أو عدم وجود قانون الحدِّ الأدنى للأجور، إلَّا أنه ـ من وجهة نظري ـ هذا الأمر سيشهد تغيرًا جوهريًّا؛ إذ ستواجه سياسة الحدِّ الأدنى للأُجور صعوبات أكبر في ظلِّ النُّمو غير المسبوق الناتج عن الذَّكاء الاصطناعي، والذي لا يستهدف فقط الأعمال البسيطة والأتمتة، بل يتجاوزها إلى الأعمال الأكثر مهارة والتي تتطلب القدرة على التفكير واتخاذ القرار، وبدأ يهدِّد الكثير من الأعمال التي يقوم بها العامل والتي لا تُصنف على أنها أعمال بسيطة. أعمال اللوجستيَّات والتصنيع وغيرها بدأت تستحوذ عليها برامج الذَّكاء الاصطناعي، وحلَّت محلَّ العنصر البشري المتخصص. وفقًا لتقرير صادر عن جامعة هارفارد في (20) فبراير (2026)م، قام فريق بحثي بتقييم نمو الوظائف النمطيَّة والمتكررة من (2019)م وحتى الربع الأول من سنة (2025)م، ووجدوا انخفاضًا بمقدار (13%) مرتبطًا بتكييف الشركات والأعمال مع الذَّكاء الاصطناعي التوليدي. ولكن، ارتفع طلب أصحاب العمل على الوظائف التي تتطلب المزيد من العمل التحليلي أو التقني أو الإبداعي، والتي يمكن تعزيزها بالذَّكاء الاصطناعي، بنسبة (20%).
الاعتماد على سياسة الحدِّ الأدنى للأُجور لمعالجة الضغوط الناتجة عن الذَّكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تشويه كبير في سوق العمل، يفوق ما حدَث قَبل ظهور الذَّكاء الاصطناعي. لذلك، من الضروري النظر إلى مستقبل التعليم من حيث نوعيَّته ومحتواه لضمان إعداد خرِّيجين يتوافقون مع التطوُّر المستمر في الذَّكاء الاصطناعي. ويؤكد البروفيسور سرينيفاسان أنه بدلًا من إلغاء الوظائف، يخلق الذَّكاء الاصطناعي التوليدي طلبًا جديدًا على الأدوار التي تتطلب تعزيزًا، ممَّا يعكس أن التعاون بين الإنسان والذَّكاء الاصطناعي هو عامل رئيس في تحوُّل سوق العمل.
هذا التحوُّل الحاسم في سوق العمل يُمثِّل تحدِّيًا كبيرًا لمؤسَّسات التعليم العالي، التي تسعى لتوفير مخرجات تعليميَّة قادرة على الانخراط في سوق عمل مدفوعة بتزايد الاعتماد على أدوات الذَّكاء الاصطناعي المدمجة في الأعمال، والتي تؤثر في نوعيَّة القوى العاملة التي يطلبها أصحاب العمل لتلبية احتياجاتهم الجديدة الناتجة عن توظيف الذَّكاء الاصطناعي. ولذلك، أصبح من الضروري تحديث البرامج التعليميَّة والتدريبيَّة بسرعة لمواكبة هذا التحوُّل، نظرًا للوقت المطلوب لتكييفها مع واقع سوق العمل المتغير.
د. حسين أحمد الكامل
أكاديمي