الحادي عشر: سياسة عُمانيَّة تحظى بالتقدير والاحترام.
«بلقاسم»، صاحب سيَّارة الأُجرة (التاكسي) الذي أخذنا إلى القيروان، أستاذ في اللغة الإنجليزيَّة، عمل فترةً من الوقت في إحدى مدارس ولايات صلالة في رخيوت وريسوت، والسيَّارة التي يملكها اشتراها من مسقط، وما زال يحتفظ بها حتى اليوم، مشيرًا إلى فارق السعر الكبير بين تونس، التي تفرض ضرائب عالية على المنتجات الأجنبيَّة، مقارنةً بعُمان. والناس عمومًا، الذين نلتقي بهم ونتعرف عليهم ونتحدث معهم، سواء كانوا في الجزائر أو تونس، يعبِّرون عن مشاعر حُب وإعجاب، وفيضٍ من التقدير لعُمان على سياساتها المتفردة والثابتة في دعم القضايا العربيَّة، والملف الفلسطيني خصوصًا، وعلى مواقفها المُشرِّفة في عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى... «مدينة الحمامات»، كان المرور لزيارتها عند عودتنا من القيروان قرارًا اتخذناه مسبقًا؛ فهي وجهة سياحيَّة شاطئيَّة عالميَّة، تتميز بموقع خلاب على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وبالمنتجعات والفنادق والمقاهي الرائعة التي تطلُّ على الرمال البيضاء الناعمة، وتزيدها جذبًا وفتنةً وجمالًا المدينة العتيقة بأزقتها الضيِّقة المتعرجة، وألوان بيوتها الحجريَّة التي تمزج بين زرقة البحر وبياض الشاطئ، وزخارف أبوابها ونوافذها وشرفاتها التي تعبِّر عن البراعة والإبداع، وأكشاكها التي تبيع المنتجات الحِرفيَّة والصناعات اليدويَّة والهدايا التذكاريَّة التي تبهر السائح... معرض الكتاب في دورته الأربعين، بقصر المعارض، الذي صادف موعده أيَّام إقامتنا في العاصمة التونسيَّة، كانت زيارته فرصةً لا بُدَّ من اقتناصها، فانطلقتُ بصحبة الصَّديق الكاتب والمثقف سعيد الكندي، صباح السبت (٢) مايو، الساعة التاسعة والنصف، والسَّعادة تملؤنا، واللهفة تحفِّزنا وتسرع خطانا؛ أملًا في العثور على عناوين مهمَّة وكتُب قيِّمة، فنعود من المعرض بزاد فكري ثمين، وهو ما تحقق فعلًا. كانت الطوابير البشريَّة أمام بوَّابة المعرض الرئيسة تمتد لحوالي نصف كيلو، وتتحرك ببطء، ما يعني أنَّ للكتاب عشَّاقه، وللقراءة قِيمة معرفيَّة وعلميَّة تستحق أن تدفع من أجلِها الأثمان... يُذكر أن الدخول إلى المعرض يتطلب حجز تذكرة بقِيمة رمزيَّة تقدَّر بـ(٢٠٠) بيسة. «سيدي بوسعيد»، التي خصَّصنا لها زيارة مساء «السبت» الموافق الثاني من مايو (٢٠٢٦م)، أدهشتنا بجمالها وفتنة مبانيها وأزقتها، ومقاهيها الساحرة المطلَّة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، فلا غرو أن تزدهر فيها السياحة، وتنشط الحركة البشريَّة، وينمو عدد النزل والمطاعم والمقاهي والأكشاك التي تبيع الذكريات والتحف والهدايا والقطع النادرة، وأن تتحول إلى مصيف مهمٍّ للأجانب. في اللوحة المنصوبة على مدخل المدينة كُتب الآتي: «في شهر أبريل (١٩١٤) حل بتونس ثلاثة فنانين كبار تربطهم صداقة حميميَّة، وهم: بوبل كلاب، وأوجست ماكا، ولوي مواياي، في سياق رحلة سجلها التاريخ. هذه الرحلة، التي أثمرت إنجازات استثنائيَّة على المستوى الفنِّي، لم تَعُدْ بالفائدة على مَسيرتهم الفنيَّة فحسب، بل شكَّلت أيضًا حدثًا بارزًا في تاريخ الفنِّ الحديث تحت مُسمَّى «الرحلة التونسيَّة»، وكانت قرية سيدي بوسعيد من بين محطَّات إقامة الفنانين الثلاثة بتونس، التي وإن لم تستغرق سوى أسبوعين، فإنها أتاحت لهم زيارة عدد من المُدن التونسيَّة والرسم بها، وهي، إلى جانب سيدي بوسعيد: تونس العاصمة، وحلق الوادي، وقرطاج، وسان جرمان «الزهراء حاليًّا»، والحمَّامات، والقيروان. من خلال هذه اللوحة تهدف مدينة سيدي بوسعيد، التي كانت دومًا قِبلةً للفنَّانين من ذوي الإشعاع العالمي، إلى تخليد هذا الحدث البارز في تاريخ الفنِّ الكوني، والإشادة بهؤلاء الفنَّانين الثلاثة الأفذاذ». قرطاج، المدينة الأثريَّة الرومانيَّة، و»قمرت»، المختصَّة بعالم الترفيه والاستجمام السياحي، وغيرها الكثير، تغني القطاع السياحي الذي يعتمد عليه الدخل في تونس إلى جانب القطاع الزراعي.. أكثر ما يزعج السائح في كل من الجزائر وتونس خصوصًا، الإدمان والمبالغة والإفراط في التدخين، في جميع الأماكن، حتى في داخل الفنادق والسيَّارات والمقاهي... وما أحزنني وأحبطني تلكم المشاهد السيئة لآباء وأُمَّهات يدخنون برفقة أطفالهم الصغار. إنَّها لمفارقة عجيبة أن يمنع التدخين في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبيَّة وأوروبا والعديد من دول العالم، فيما نرى هذه الظاهرة الخطيرة تنتشر وتتجذر في دول عربيَّة وإسلاميَّة مثل تركيا ومصر وتونس والأردن... في رحلة العودة من تونس إلى الدوحة، استثمرتُ السَّاعات السَّبْع في قراءات ما كتَبه «نصر الله يوس» عن «العشريَّة السوداء» من تاريخ الجزائر الحديث، وهو شاهد عيان، وكان في قلب تلك الأحداث، وقرأتُ «حطب سراييفو»، و»أغالب مجرى النهر»، للروائي الجزائري «سعيد خطيبي»: «أضفتُ إلى النَّص، الذي شرعتُ في كتابته، منذ عودتي، وأقبلتُ على حياة جديدة، في هذه المدينة، التي تطبخ حساءها من دم المذبوحين، وتتعطر برائحة الموتى...». «كلَّما تقدمتُ في السِّن صرتُ لا أعرف هذه المدينة ولا أهلها، قلتُ في سرِّي: ولا من أين يخرج هؤلاء الخَلق المشوهة أفئدتهم. فنحن نحيا في مدينة اختل عقلها». وكنت أطرح التساؤلات الواحدة تلو الأخرى، عن دوافع هذه الحرب الأهليَّة وأسباب اشتعالها...؟ أمام هذين الحدثين المتناقضين يتيه القارئ في قراءاته، وتلتبس عليه الأمور، ويضيع تحت وقع المشاعر المتداخلة والمتباينة، ومن الخطورة أن يجيب على أسئلة يحتاج الوصول إليها إلى دراسات وأبحاث ميدانيَّة متخصِّصة، ومعلومات موثوقة، وشهادات تستند إلى الدقَّة والمصداقيَّة وعدم الانحياز... «إيناس»، الشابَّة التونسيَّة في مقهى «بول» في المطار التونسي، تخلَّت عن واجباتها في خدمة زبائن المقهى، وتركت المهمَّة لزميلها، وأزالت الكلفة والحواجز، وشاركتنا جلستنا الطيِّبة مع الدعابة والنكتة وتبادل الحوارات والمعلومات والتجارب، وسرعان ما اندمجت مع المجموعة، وتعالت ضحكاتها، وانضمت إليها زميلات من متاجر السوق الحُرَّة، والتقطت صورة شخصيَّة معنا للذكرى، وهي ميزة أخرى من مميزات السفر: فَهْم خصائص الشعوب وطبيعة الناس، وتكوين العلاقات، وترك الذكريات والانطباعات الحيَّة في المكان.. الدكتورة «انشراح سعدي»، الأكاديميَّة والناقدة الجزائريَّة، وأستاذة قِسم اللُّغة العربيَّة وآدابها في جامعة الجزائر، التي أعدَّت ورقةً عن كِتابي «الأندلس تطواف بين زمنين» بعنوان: «الزمن في السرد الرحلي»، وجَّهت لي عتابًا صادقًا، عندما عرفتْ أنني زرتُ الجزائر ولم أشعرها مسبقًا: «لا لا، زعلت والله، كنتُ أستقبلك أنا وزوجي وأهلي»، و»رتَّبت لك لقاءً مع الطلبة»، وعبَّرت عن أملها بعبارة «مخلوفة»، وشرحتْ معناها في لُغة أهل العاصمة بـ»معوَّضة»، وبأنها في انتظار «ما ستكتبه في نَص رحلي جديد»؛ فلها منِّي أعمق معاني الشكر والمَحبَّة والتقدير.
سعود بن علي الحارثي