الأحد 19 يوليو 2026 م - 4 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : نحو مرصد اجتماعي وطني متكامل لدراسة ومعالجة الظواهر المجتمعية وتداعياتها على الأسرة والطفولة

في العمق : نحو مرصد اجتماعي وطني متكامل لدراسة ومعالجة الظواهر المجتمعية وتداعياتها على الأسرة والطفولة
السبت - 18 يوليو 2026 11:22 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

فرضتِ الظواهر الفكريَّة والمخاطر الرَّقميَّة التي تتعرض لها الهُويَّات الوطنيَّة، وما نتج عنها من تحدِّيات وتأثيرات سلبيَّة في فكر الناشئة وقناعاتها وسلوكها، إلى جانب اتساع نطاق القضايا الاجتماعيَّة المرتبطة بالأُسرة، كالزواج والطلاق، وحوادث الأطفال، وقضايا الأمن الاجتماعي، مثل: الجريمة، والمخدِّرات، والتنمُّر، والتسوُّل.. وغيرها من الظواهر المُجتمعيَّة المستجدَّة، فرضت واقعًا جديدًا يستدعي بناء ممكنات وأُطر وطنيَّة تقف على هذه الظواهر وفق سياسات وتشريعات وأنظمة عمل وبرامج وأدوات في آليَّات التعامل معها والحدّ من تأثيراتها، كما فرضت على منظومات الدولة ومؤسَّساتها تَبنِّي معالجات مستدامة تتسم بالتكامل، والتشاركيَّة، وكفاءة الإجراءات، ورصانة الأدوات، انطلاقًا من مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في بناء مُجتمع متماسك، قادر على مواجهة التحدِّيات وتحويلها إلى فرص للتنمية المستدامة.

وانطلاقًا من التَّوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم، فيما يتعلق بالظواهر المُجتمعيَّة، والتي وردت في خِطابات جلالته في اجتماعات مجلس الوزراء الموقَّر، وفي أكثر من مناسبة وطنيَّة، وأهميَّة أن يضطلع مجلس الوزراء والجهاز الإداري للدولة ـ بمختلف مُكوِّناته وقطاعاته ـ بمسؤوليَّته الوطنيَّة في رصد الظواهر المُجتمعيَّة ودراستها، ووضع إطار وطني مؤسَّسي ومنظَّم للتعامل معها. وفي إطار تشخيص المخاطر المترتبة على هذه الظواهر، وتحليل آثارها، وتحديد أولويَّات التعامل معها، ورصد مستوى انتشارها، والكشف عن العوامل والمتغيِّرات التي تسهم في ظهورها واتساعها، بما يساعد على بناء سياسات وطنيَّة قائمة على المعرفة والبيانات والأدلَّة العلميَّة، وما يتطلبه ذلك من تضافر جهود جميع المؤسَّسات، والاستفادة من الخبرات الوطنيَّة والإقليميَّة والدوليَّة، والكفاءات المتخصِّصة في القطاعات التعليميَّة والبحثيَّة والاستشرافيَّة، وتعزيز دور المؤسَّسات التعليميَّة، والأمنيَّة، والتشريعيَّة، ومراكز البحوث الاجتماعيَّة والإنسانيَّة في دراسة هذه الظواهر، وتقييم الجهود الوطنيَّة المبذولة لمعالجتها، وصولًا إلى تشريعات وقوانين وسياسات وبرامج أكثر قدرة على التعامل مع أسبابها الحقيقيَّة، وليس الاكتفاء بمعالجة نتائجها.

على أن التأكيد اليوم على أهميَّة إيجاد مرصد وطني متكامل لدراسة الظواهر المُجتمعيَّة وتداعياتها على الأُسرة والطفولة، خيار قوَّة لضمان رفع درجة الجاهزيَّة الوطنيَّة في التعامل مع هذه الظواهر، والتقليل من مخاطر انتشارها وتأثيرها على أهم لَبِنات المُجتمع، وهما الأُسرة والأبناء، وبناء منهجيَّات علميَّة وبحثيَّة أكثر جديَّة، ونماذج عمل أكثر ابتكارًا ومهنيَّة، تنسجم مع حجم التحوُّلات الاجتماعيَّة التي يشهدها الواقع المعاصر، وتستجيب للمتغيِّرات المتسارعة في علاقة التقنيَّة بالظواهر المُجتمعيَّة، أو التقنيَّة بالأمن الاجتماعي، بما يسهم في إنتاج ثقافة مُجتمعيَّة واعية قادرة على التمييز بين الظواهر الإيجابيَّة والسلبيَّة، والتعامل الواعي والآمن معها وفق أُسُس علميَّة ومنهجيَّة، بما يُعزِّز مناعة الفرد والأُسرة، ويحافظ على تماسُك المُجتمع واستقراره.

وبالتالي، تضاعف الفرص المتحققة من وجود هذا المرصد الاجتماعي الوطني الذي يُمثِّل منصَّة حواريَّة وطنيَّة تتعلق بالأُسرة والأبناء والمُجتمع، ومختبرًا وطنيًّا يستنطق القِيَم، ويستنهض الروح الإيجابيَّة والسَّمت العُماني، ويستند إلى الدراسات المعمقة ومناهج البحث العلميَّة والبيانات والإحصائيَّات لإنتاج المعرفة، وحاضنة للأفكار والمبادرات، بما يمكِّنه من تطوير برامجه، وتجديد خططه، وتعزيز ثقة المُجتمع في مخرجاته، ورفع سقف التوقُّعات تجاه دوره في صناعة القرار، وإيجاد الحلول العلميَّة الرَّصينة للقضايا المُجتمعيَّة المختلفة، الأمر الذي يضعه أمام مسؤوليَّة إعادة هيكلة هذا المسار، وضبط أولويَّاته، ورسم ملامح مستقبل أكثر إشراقًا، تتجه فيه الممارسة البحثيَّة نحو المهنيَّة والاحترافيَّة والريادة، وسَنِّ التشريعات والقوانين الدَّاعمة لهذا التوجُّه، وتمكينها من الإسهام الفاعل في إنتاج حلول استراتيجيَّة واقعيَّة ومقنعة وبدائل وخيارات في مواجهة الظواهر المُجتمعيَّة.

وهنا يأتي دور المرصد الاجتماعي في التعامل مع قضايا الواقع، بطريقة أكثر احترافيَّة ومهنيَّة، عبر نقلها من دائرة تنفيذ الدراسات والبحوث الوقتيَّة، إلى كونها مؤسَّسات استراتيجيَّة ترفد المؤسَّسات المعنيَّة ومتَّخذي القرار بالنتائج التنفيذيَّة لها في الواقع، وصناعة تحوُّل في سلوك هذه المراصد الاجتماعيَّة ومراكز البحوث المتعلقة بالقطاع الاجتماعي في تَبنِّي سياسات بحثيَّة وتدريبيَّة وتصحيحيَّة وتوعويَّة وتسويقيَّة في تشخيص هذه المُشْكلات، ودراسة الأسباب والمُسبِّبات، والوقوف على حجم التأثير الناتج عنها على الفرد والمُجتمع، وعلى منظومة الأمن والاستقرار والسَّلام الدَّاخلي الوطني، بحيث لا تقف المسألة في دور هذه المراصد على مجرَّد تأطير المُشْكلة ورصد واقعها وتشخيص المتغيِّرات وقراءة ما بين السطور؛ بل التعمُّق في فَهْم الواقع، والوقوف على حيثيَّات الممارسة، وتتبع نتائج الفعل، وقراءة جملة العلاقات والمُسبِّبات والتفاعلات والأحداث والمتغيِّرات التي باتت تُشكِّل تحدِّيًا وتهديدًا مُجتمعيًّا، وعرض نتائج ما تقدِّمه على المُجتمع بشكل أكثر احترافيَّة لضمان مشاركته في الحدِّ منها، وزيادة مستوى يقظته وجاهزيَّته في التعامل مع المستجدَّات.

ومعنى ذلك أنَّ هذا الدَّوْر لا يقتصر على جانب البحوث وسرد النظريَّات وتحليل البيانات، أو أن يتمَّ بمعزل عن استقراء الواقع الاجتماعي بِرُمَّته، والدخول في حوارات مع المواطن نفسه، وتَبنِّي مناهج بحثيَّة قادرة على سبر أعماق الحقيقة، وبلوغ الصِّدق والموضوعيَّة في تقريب صورة الظاهرة الاجتماعيَّة، والدخول بعُمق في فَهْم ما يحيط بهذا السلوك من علاقات اجتماعيَّة وتأثيرات داخليَّة وخارجيَّة ودور المواطن فيها، والخلفيَّة الثقافيَّة والفكريَّة للأيدي الوافدة، بالإضافة إلى تَبنِّي استراتيجيَّات عمل وطنيَّة في التقليل من تزايد هذه المؤشِّرات، وابتكار برامج وأدوات ومبادرات وقرارات وطنيَّة استراتيجيَّة تعمل على الحدِّ من انتشار هذه الظواهر، وتوافر بيانات وتحليلات مرجعيَّة للواقع من شأنها أن تتيح للمشرِّع ومتَّخذي القرار وراسمي السياسات الاجتماعيَّة الوطنيَّة والقائمين على القطاعات الاجتماعيَّة وتصنيفاتها بالمؤسَّسات، بالشكل الذي يضمن استفادة القرار الوطني منها، وقدرتها على بناء موجِّهات عمليَّة تؤسِّس لمرحلة متقدمة من العمل الوطني المشترك، يظهر ذلك في حجم البدائل والمعالجات المتنوعة والفرص المتجدِّدة التي تنتجها، والمبادرات التي تستشرف تقديم حلول وبدائل ومعالجات دقيقة في التعامل مع معطيات الواقع الاجتماعي، ويستمر دور المرصد في توضيح الصورة العامَّة للمواطن، والمعالجات والتشريعات والقوانين التي تحتاجها، من خلال رصد هذه الظواهر وتحليلها، والوقوف على أسبابها ومُسبِّباتها، من خلال تطوير أدوات الرصد والقياس، والاعتماد على الدراسات العلميَّة الرَّصينة، وإنتاج قواعد بيانات دقيقة ومحدَّثة تسهم في بناء قرارات وسياسات قائمة على الأدلَّة.

وبالتالي يشمل هذا التشخيص، تحديد المتغيِّرات والعوامل المرتبطة بكل ظاهرة، وقياس مستوى انتشارها، وتقدير المخاطر المترتبة عليها، وتحديد أولويَّات التدخُّل، والاستفادة من الخبرات الوطنيَّة والدوليَّة، إلى جانب تمكين المؤسَّسات البحثيَّة والاستراتيجيَّة والاستشرافيَّة من أداء دور أكثر فاعليَّة في تقديم الحلول، وصناعة البدائل، وقياس أثر السياسات العامَّة بعد تطبيقها، عبر تَبنِّي منهجيَّات عمل واضحة، ومؤشِّرات أداء قابلة للقياس، وخططًا زمنيَّة تحدِّد المسؤوليَّات والأدوار بدقَّة، بما يضمن استمراريَّة المتابعة والتقييم، ويُحقِّق التكامل بين مختلف المؤسَّسات، ويُعزِّز من قدرة المُجتمع على مواجهة الظواهر السلبيَّة، في إطار يحافظ على القِيَم العُمانيَّة الأصيلة، ويعظم الاستفادة من الإرث الحضاري والثقافي الذي أسهم عبر التاريخ في بناء شخصيَّة المُجتمع العُماني، وتعزيز تماسُكه وصلابته في مواجهة مختلف التحدِّيات.

عليه، فإنّ إنشاء مرصد اجتماعي وطني متكامل ومستقل، بحيث يتبع مجلس الوزراء، وله مرجعيَّة واضحة، وإعادة هيكلة اختصاصات المراكز الاجتماعيَّة والنفسيَّة بحيث تدعم جهود المرصد، وإيجاد مراكز وطنيَّة متخصِّصة لقياس الاتجاهات والرأي العام، ورصد الرسائل المرتجعة من البرامج الاجتماعيَّة، والإعلاميَّة، والتربويَّة، والاقتصاديَّة، والثقافيَّة، والترفيهيَّة، سيُشكِّل رافدًا مهمًّا لصنَّاع القرار، من خلال توفير بيانات دقيقة ومؤشِّرات كميَّة ونوعيَّة تسهم في قراءة التحوُّلات المُجتمعيَّة، وتحليل اتجاهات الرأي العام، وفَهْم احتياجات مختلف الفئات العمريَّة والاجتماعيَّة، بما يرفع من كفاءة التخطيط، ويحسِّن جودة المبادرات والبرامج الوطنيَّة. بما يدعم جهود المرصد بالدراسات والتحليلات، من شأنها أن تضمن مزيدًا من الكفاءة والمرونة والمهنيَّة في قراءة الواقع الاجتماعي وتحليله، وأن تُعزِّز قدرتها على استشراف المستقبل، والإسهام في صناعة القرار، والحدِّ من الظواهر المُجتمعيَّة السلبيَّة قَبل تفاقمها، فالمرصد الاجتماعي لا ينبغي أن يقتصر دوره على جمع البيانات والإحصاءات، وإنما يجب أن يكون منصَّة وطنيَّة متكاملة للرصد والتحليل، وإنتاج المعرفة، واستشراف الاتجاهات المستقبليَّة، واقتراح البدائل والسياسات، وقياس أثَر التدخُّلات الحكوميَّة والمُجتمعيَّة.

أخيرًا، يبقى إنشاء مرصد اجتماعي وطني متكامل، يعمل وفق منهجيَّات علميَّة حديثة، ويستند إلى قواعد بيانات دقيقة، ويستثمر نتائج الدراسات والمسوحات الوطنيَّة وقواعد البيانات، خطوة استراتيجيَّة نحو بناء منظومة وطنيَّة أكثر قدرة على قراءة التحوُّلات المُجتمعيَّة والمخاطر الرَّقميَّة التي تواجِه قِيَم الأُسرة والطفولة، واستباق التحدِّيات، واقتراح الحلول، وتعزيز جودة الحياة، وحماية الأُسرة والطفولة، وترسيخ الأمن المُجتمعي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، ويؤسِّس لمُجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا وقدرة على مواجهة المستقبل والتعامل مع مخاطره بثقة واقتدار.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]