الأحد 19 يوليو 2026 م - 4 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : استثمار فـي المستقبل

السبت - 18 يوليو 2026 11:28 ص

رأي الوطن

20

أصبحت القدرة على توظيف الذَّكاء الاصطناعي أحَد أهمِّ المؤشِّرات التي تقاس بها جاهزيَّة الدول للمستقبل؛ لأنَّ الاقتصاد العالمي يشهد تحوُّلًا متسارعًا نحو نماذج إنتاج تعتمد على البيانات والخوارزميَّات والابتكار الرَّقمي، وأصبحت التقنيَّات الذَّكيَّة حاضرة في الصناعة، والنقل، والصحَّة، والتعليم، والخدمات الحكوميَّة، والأسواق الماليَّة، حتى غدت عنصرًا رئيسًا في رفع الإنتاجيَّة، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز القدرة التنافسيَّة. ومن هذا المنطلق، تكتسب مشاركة سلطنة عُمان عضوًا مؤسِّسًا في منظَّمة التعاون العالمي في مجال الذَّكاء الاصطناعي أهميَّة تتجاوز الانضمام إلى منظمة دوليَّة جديدة؛ لأنَّها تُظهر رؤية وطنيَّة تدرك أنَّ المستقبل يصنعه مَن يشارك في بناء قواعده، وأنَّ الحضور في المنصَّات الدوليَّة المتخصِّصة يفتح آفاقًا أوسع للاستفادة من الخبرات العالميَّة، والمساهمة في رسم السياسات التي ستحدد شكل الاقتصاد الرَّقمي خلال العقود المقبلة.

ولعلَّ ما يلفت الانتباه في الحراك العُماني أنَّه يجمع بين الاهتمام بتطوير التقنيَّات الحديثة، والحرص على بناء منظومة حوكمة تضمن الاستخدام المسؤول لها؛ فالذَّكاء الاصطناعي يحمل فرصًا اقتصاديَّة كبيرة، ويطرح في الوقت نفسه تحدِّيات تتعلق بالخصوصيَّة، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، وسوق العمل. ولهذا أصبحت الحوكمة جزءًا أساسًا من نجاح أيِّ تجربة وطنيَّة في هذا المجال، وجاءت مشاركة سلطنة عُمان في تأسيس المنظَّمة العالميَّة، إلى جانب مشاركتها في الحوار العالمي لحوكمة الذَّكاء الاصطناعي برعاية الأُمم المتحدة، لتؤكِّدَ حضورها في النقاشات الدوليَّة التي تتناول مستقبل التقنيَّة، وإيمانها بأنَّ التعاون بين الدول يُمثِّل الطريق الأمثل لبناء بيئة تقنيَّة تحقق المنفعة المشتركة، وتحافظ على التوازن بين الابتكار والمسؤوليَّة، وهو توجُّه ينسجم مع النهج العُماني القائم على الشراكة الدوليَّة، والانفتاح على مختلف التجارب، والاستفادة من أفضل الممارسات العالميَّة.

ويُمثِّل الذَّكاء الاصطناعي فرصة اقتصاديَّة حقيقيَّة للدول التي تستثمر في المعرفة ورأس المال البشري؛ لأنَّه يسهم في رفع كفاءة المؤسَّسات، وتسريع إنجاز الخدمات، وتحسين إدارة الموارد، وخلق قطاعات اقتصاديَّة جديدة قائمة على الابتكار. كما أصبح عاملًا مهمًّا في جذب الاستثمارات النوعيَّة، ودعم الشركات الناشئة، وتطوير الصناعات المتقدمة، وهو ما يجعل الاستثمار فيه استثمارًا في الاقتصاد قبل أن يكون استثمارًا في التقنيَّة. وانضمام سلطنة عُمان إلى منظَّمة دوليَّة تضم نخبة من الدول المهتمة بهذا المجال يمنحها فرصة أوسع للوصول إلى أحدَث الأبحاث والتطبيقات، والاستفادة من الخبرات المتراكمة، وتأهيل الكفاءات الوطنيَّة، وتعزيز التعاون بين الجامعات، ومراكز البحث، والقطاع الخاص، بما يدعم بناء اقتصاد رقمي قادر على مُواكبة التحوُّلات العالميَّة، ويُعزِّز مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في تنمية اقتصاد يقوم على المعرفة والابتكار.

إنَّ قِيمة هذه الخطوات ستتجسد بصورة أكبر كلَّما انعكست على الواقع العملي داخل المؤسَّسات والقطاعات الإنتاجيَّة والخدميَّة؛ فالنجاح يقاس بما تتيحه الاتفاقيَّات من تطبيقات، ومبادرات، ومشروعات تسهم في رفع كفاءة الأداء، وتطوير الخدمات، وإعداد أجيال تمتلك مهارات المستقبل، وقد أثبتت التجارب العالميَّة أنَّ الدول التي بادرت مبكرًا إلى الاستثمار في الذَّكاء الاصطناعي أصبحت أكثر قدرة على تعزيز تنافسيَّتها الاقتصاديَّة، واستقطاب الصناعات المتقدمة، وإيجاد فرص عمل جديدة ترتبط بالاقتصاد الرَّقمي، ويؤكِّد الحراك العُماني المتواصل أنَّ سلطنة عُمان تمضي بخطوات واثقة نحو ترسيخ مكانتها ضمن الدول التي تشارك في صناعة المستقبل، وتسهم في وضع قواعده، وتستثمر فرصه بما يخدم التنمية الوطنيَّة ويُعزِّز حضورها في الاقتصاد العالمي.