(دوام الحال من المحال) عبارة طالما يرددها الناس، ولطالما أكدت لنا الأحداث من حولنا أن التغيُّر في المُجتمع وعدم دوام الحال سنَّة من سُنن الله في كونه؛ فالصغير يكبر، والكبير القوي يهرم، والحبيب يتحول إلى عدوٍّ، والعدوُّ يتحول إلى حبيب، وقد يغتني الفقير، وقد يفتقر الغني، فلا أحَد يظن أن حاله يبقى كما هو عليه. فقديمًا قال الشاعر:
ما بين غمضة عين والتفاتتها
يغيِّر الله من حال إلى حال
والتغيُّر في الأحوال لا يكون في حياة الفرد فقط، بل هو في أحوال المُجتمعات أيضًا؛ فالعادات والتقاليد يطرأ عليها كثير من التغيُّرات، وكذلك ثقافات الناس تتغيُّر بانفتاح المُجتمع على الثقافات الأخرى. وقد قرر هذه القاعدة الاجتماعيَّة ابن خلدون في مقدِّمته؛ حيث قال: «واعلم أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونِحَلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيَّام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال». وقد يكون هذا التغيُّر غير مقصود، فيحدث في المُجتمع بعفويَّة بدون تدخُّل من الناس، وقد يكون هذا التغيُّر مقصودًا من الناس؛ فهم مَن يسعون إلى التغيير، فيتخذون التدابير وينظِّمون المبادرات لإحداث هذا التغيير. فعند اكتشاف النفط انعكس ذلك على أوضاع المُجتمعات النفطيَّة في كثير من الأمور بعفويَّة وتلقائيَّة نتيجة تغيُّر الأوضاع الاقتصاديَّة وانعكاساتها على المُجتمع، وسهولة وسائل النقل التي أدَّت إلى انفتاح الدول النفطيَّة بشكلٍ أوسع على ثقافات مُجتمعات أخرى.
وكثيرًا ما تحدُث التغيُّرات الاجتماعيَّة وفق خطَّة مدروسة؛ فجميعنا يتذكر قصَّة تغيُّر سنغافورة. فعندما قاد (لي كوان يو) الحكومة السنغافوريَّة، عدَّ أن بناء الدولة لا يبدأ فقط من الاقتصاد، بل من تغيير سلوك المُجتمع وثقافته اليوميَّة. وفي عام (1968) أطلق حملة وطنيَّة باسم «حافظوا على نظافة سنغافورة» (Keep Singapore Clean)، وقال في خطاب تدشينه للحملة الإعلاميَّة هذه إن المُشُكلة ليست فقط في تنظيف الشوارع، بل في أن يتعلم الناس اعتبار الأماكن العامَّة امتدادًا لبيوتهم ومسؤوليَّتهم الشخصيَّة.
من هنا خطط القائد (لي كوان يو) لتغيير اجتماعي مهمٍّ، وهو نشر سلوك النظافة على جميع المستويات؛ لينشرَ النظافة كسلوك شخصي، ويؤكد الاهتمام بنظافة المنزل ونظافة المرافق العامَّة؛ حيث كان يشيع في المُجتمع السنغافوري سلوكيَّات تخرج عن إطار النظافة، مثل رمي القمامة في الشوارع والأحياء، وعدم الالتزام بسلوك النظافة في المطاعم والمستشفيات وحتى المدارس. وقد اعتمد هذا القائد على الإعلام وسيلةً لتغيير سلوك أفراد المُجتمع، أو بمعنى آخر، وسيلةً للتغيير الاجتماعي؛ فقد وضع خطَّة إعلاميَّة موظِّفًا فيها جميع وسائل الإعلام لتنفيذ حملته الإعلاميَّة الشهيرة، وهي حملة «حافظوا على نظافة سنغافورة».
نعم، إنَّ للإعلام قدرةً على التأثير في المُجتمع، وتغيير سلوكيَّات الأفراد، ونشر ثقافات جديدة في المُجتمع؛ فهو يؤثِّر في حياة الأفراد وسلوكيَّاتهم. فالإعلام لا يقتصر دوره على نشر الأخبار والمعلومات فقط، بل يُسهم بشكلٍ كبير في نشر الوعي، وهو مؤثِّر في صناعة الرأي العام وتعزيز القِيَم الإيجابيَّة.
لقد كان الإعلام يخضع لحارس البوابة؛ فدور الإعلام في المُجتمع يكون مدروسًا وفق خطَّةٍ مقرَّرة، وجميع المواد الإعلاميَّة تخضع للمراجعة قَبل نشرها بين الناس. فالقائمون على الجهات المعنيَّة بالإعلام، مثل القائمين على الصحف والتلفزيون والإذاعة وغيرها من وسائل الإعلام، هم مَن يعملون على وضع الخطط الإعلاميَّة ومراجعة الرسائل الإعلاميَّة الصادرة لضمانِ اتفاقها مع أهداف الخطط الإعلاميَّة الموضوعة، والتي من شأنها إحداث التغيير الاجتماعي. وبالتالي فإنَّ التغيير الاجتماعي كان مدروسًا ومنظَّمًا.
أمَّا اليوم، فبات الإعلام مفتوحًا، فالوسائل الإعلاميَّة باتت في يد الجمهور لتنقلب الآية؛ فالجميع لديهم الفرص للنشر، فلهم الحقُّ في نشر النصوص المكتوبة أو نشر الفيديوهات أو الصوَر من خلال وسائل الإعلام الاجتماعي، مثل: الإنستجرام، والفيسبوك، ومنصَّة إكس، واليوتيوب؛ فلا حارس بوابة على الإعلام. من هنا باتت فرص التغيُّر الاجتماعي متروكةً في يد الجمهور، وفي يد كلِّ مَن لديه القدرة على استقطاب الجمهور، أو بلُغة العصر: المتابعين.
نعم، لقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع إحداث التغيير الاجتماعي، وبات هذا التغيُّر في يد الجمهور؛ فلديهم القدرة على نشر الأفكار الجديدة، بل وحتى إطلاق الحملات الإعلاميَّة التوعويَّة، مما يُسهم في زيادة المشاركة المُجتمعيَّة وتحقيق التغيير الاجتماعي في مختلف المجالات. وهنا نجد أنفسنا بين أمريْنِ؛ فعلى الرغم من إيجابيَّات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فإنَّ هناك مخاطر عاليةً لجعل وسائل الإعلام في يد الجميع، سواء كانوا أهلًا لذلك أم لا، وسواء كانوا يحملون أفكارًا إيجابيَّة أو أفكارًا سلبيَّة. ووسط هذا الزخم من الرسائل الإعلاميَّة التي تملؤ الإعلام الاجتماعي بخيره وشرِّه، يبقى السؤال: مَن له الحقُّ في إحداث التغيُّر الاجتماعي؟ وهل يُترك التغيير الاجتماعي دون تعيين حارس للبوَّابة؟! سؤال يطرح نفسه، ولا أقول هنا إلَّا: دُمْتُم يا أبناء قومي سالِمِين.