الأحد 19 يوليو 2026 م - 4 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : فائض بالميزان التجاري فـي عالم مضطرب.. ماذا يعني؟

في الحدث : فائض بالميزان التجاري فـي عالم مضطرب.. ماذا يعني؟
السبت - 18 يوليو 2026 11:15 ص

طارق أشقر

20

يكتسب تحقيق سلطنة عُمان فائضًا في الميزان التجاري بلغ (2.09) مليار ريال عُماني بنهاية أبريل (2026م) أهميَّة خاصَّة في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها الاقتصاد العالمي بشكل عام؛ حيث يرى المراقبون أنَّه إنجاز يعكس متانة الاقتصاد العُماني ومرونته وقدرته على التكيُّف مع المتغيِّرات الدوليَّة المتسارعة، فضلًا عن أنَّه مؤشِّر على قدرة الدولة على مواجهة التقلُّبات الاقتصاديَّة والجيوسياسيَّة والحفاظ على توازنها الخارجي.

وتأتي أهميَّة هذا الفائض، الذي تم الكشف عنه ضمن بيانات أوَّليَّة صادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، في وقت يمرُّ فيه الاقتصاد العالمي بمرحلة تتداخل فيها الأزمات، من بينها تباطؤ النُّمو في الاقتصادات الكبرى في ظل حالة من التوتُّرات الجيوسياسيَّة واضطرابات سلاسل الإمداد وتقلُّبات أسعار الطاقة وأسعار الفائدة عالميًّا؛ حيث يصبح الحفاظ على فائض تجاري في مثل هذه الظروف مهمَّة أكثر صعوبة من تحقيقه في أوقات الاستقرار الجيوسياسي العاديَّة.

إنَّ تمتُّع سلطنة عُمان بفائض في الميزان التجاري في ظل الظروف الجيوسياسيَّة الحاليَّة، وإن كان أقلَّ ممَّا حقَّقته العام الماضي بقليل، فإن ذلك يؤكد امتلاكها، وفق المحلِّلين الاقتصاديين، عوامل توازن داخل الاقتصاد، أبرزها استمرار قوَّة الصادرات السلعيَّة والارتفاع اللافت في نشاط إعادة التصدير الذي سجَّل نموًّا استثنائيًّا حسب بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بلغ نحو (67) بالمائة.

كما يرى الاقتصاديون أيضًا أنَّ نُمو إعادة التصدير في ظروف جيوسياسيَّة غير طبيعيَّة عالميًّا، يحمل دلالات اقتصاديَّة أعمق؛ إذ يشير إلى أنَّ الموانئ والمناطق الاقتصاديَّة والمراكز اللوجستيَّة العُمانيَّة تؤدي دورًا متزايدًا في حركة التجارة الإقليميَّة، مستفيدة من موقع سلطنة عُمان الاستراتيجي المطل على المحيط الهندي وبحر العرب، بعيدًا عن كثير من نقاط الاختناق التقليديَّة في التجارة العالميَّة.

وعليه، فإنَّ النُّمو القوي في إعادة التصدير يبرز نجاح الاستثمارات التي ضخَّتها سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية في الموانئ والمناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والبنية اللوجستيَّة، ويُعزِّز مكانة البلاد مركزًا إقليميًّا للتجارة والخدمات اللوجستيَّة، وهو قطاع يُتوقع أن يؤدي دورًا متزايدًا في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040».

وفيما أوضحت البيانات وجود تنوع واضح في الشركاء التجاريين لسلطنة عُمان بالمنطقة والعالم بما يعكس تمكُّن البلاد من شبكة تجاريَّة واسعة تقلِّل من مخاطر الاعتماد على سوق واحدة أو شريك واحد، فإن هذا التنوع يُمثِّل عنصرًا مهمًّا في تعزيز الأمن الاقتصادي، خصوصًا في ظلِّ تصاعد التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى. فكلَّما تنوعت الأسواق والشركاء، ازدادت قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجيَّة والحفاظ على استقرار تدفُّقات التجارة والاستثمار.

وفي نفس السياق الجيوسياسي فإنّ أهميَّة هذه المؤشِّرات الإحصائيَّة تبرز بصورة أكبر، خصوصًا وأنَّ سلطنة عُمان استطاعت المحافظة على صورتها كشريك اقتصادي موثوق، مستندةً إلى سياسة خارجيَّة متوازنة وعلاقات اقتصاديَّة متنوعة مع مختلف القوى الإقليميَّة والدوليَّة، وهو توازن لم يضِرْه واقع الظروف الجيوسياسيَّة بالمنطقة والعالم.

علاوةً على كل ذلك فإن مجرد تحقيق فائض بالميزان التجاري يوفِّر دعامة مهمَّة للاستقرار المالي حسب الاقتصاديين؛ كونه يُعزِّز احتياطيَّات النقد الأجنبي، ويدعم استقرار العملة الوطنيَّة ويمنح صنَّاع القرار الاقتصادي مساحة أوسع لتمويل المشاريع التنمويَّة دون ضغوط كبيرة على ميزان المدفوعات، كما يرفع من ثقة المستثمرين والمؤسَّسات الماليَّة الدوليَّة في الاقتصاد العُماني. ومن ناحيةٍ أخرى، يرى المحلِّلون الاقتصاديون أيضًا أنَّه في ظلِّ المكانة التي تشغلها الصادرات النفطيَّة كمُكوِّن كبير ضمن إجمالي الصادرات، وهي نوعٌ من الصادرات معروف عنه بأنَّه عرضةٌ لتقلُّبات أسعار الطاقة العالميَّة، فإنَّ سلطنة عُمان أدركت مبكرًا أهميَّة التنويع الاقتصادي وزيادة القِيمة المضافة للصناعات الوطنيَّة، وهي خطوةٌ تستلزم التسريع بشأنها لتفادي التأثير السلبي لأيِّ تحدِّيات اقتصاديَّة مستقبليَّة. وعليه، ورغم أهميَّة الاحتفاء بتحقيق فائض بالميزان التجاري في الظروف الحاليَّة؛ كونه يؤكد أنَّ الاقتصاد الوطني يمتلك مرونةً تُمكِّنه من مواجهة التحدِّيات الاقتصاديَّة الطارئة، فإنَّ هذا التميُّز يُذكِّر في الوقت نفسه بأنَّ المرحلة المقبلة تتطلَّب مواصلة ما تبنَّته البلاد بشأن سياسة تنويع مصادر الدخل وتعزيز الصادرات غير النفطيَّة؛ ليصبحَ الفائض التجاري أكثر استدامةً وأقلَّ ارتباطًا بدورات أسواق الطاقة.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»