الخميس 16 يوليو 2026 م - 1 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

من هدي النبي «علاقته مع أصحابه»

الأربعاء - 15 يوليو 2026 02:04 م

عزيزي القارئ.. استرجع معك موضوعًا سبق أن نشرت سلسلة من حلقاته منذ فترة ولكن توقفنا عن نشر المتبقي منها لأسباب.. واليوم استكمل معك ما تبقى منها..

لقد نشأ جيل الصحابة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي اعتنى بهم عناية خاصة، وبذل قصارى جهده في تعليمهم وإرشادهم وتوجيههم، ولما أصبحوا جيلًا يعتمد عليهم، قام بتوزيع الأدوار القيادية عليهم، كل على حسب تخصصه وإرادته، يقول عنهم:(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

وقد كان يخالطهم مخالطة الأخ لأخيه والأب لولده والصديق لصديقه والمحب لمحبه، بالمودة والصفاء والإخاء والوفاء، ولم يجعل بينه وبينهم حواجز وفروقات، فمقامه الكريم كان في قلوبهم، وتجسد في حبهم وولائهم له وتضحيتهم في تبليغ رسالته وتحمل الأمانة معه، ومن بعده.

وظلوا كذلك حتى بلغوا مبلغًا ساميًا، قال ابن مسعود في شهادته عليهم:(من كان منكم متأسياً فليتأسى بإصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) فإنهم أبرُّ قلوبًا، وأعمقُ علمًا، وأقلُّ تكلّفًا، وأقومُ هديًا، وأحسنُ أخلاقًا، اختارهم الله بصحبة نبيه، وإقامه دينه فعرفوا لهم، فضلهم، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على هدىً مستقيم)، فما كانت معاملة النبي لأصحابه حتى يصلوا إلى هذا القدر من الإخلاص والوفاء بصاحبهم وحبهم العميق له؟.

ـ أسس التعامل مع الاصحاب: اتسمت علاقة النبي (صلى الله عليه وسلم) بأصحابه بالرحمة والعدل والتواضع، فأسس بذلك نموذجًا فريدًا في التعامل الإنساني والقيادي.

1ـ المعاملة الحسنة: كان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقضي حوائج أصحابه، ويجيب دعوتهم، ويزور مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويشاركهم في أحزانهم، ويدعوا لهم ولأبنائهم، وكان يعطي كل صحابي في مجلسه حقه من العناية والاهتمام، وكان (صلى الله عليه وسلم) كثير التبسم في وجه أصحابه فكانت الابتسامة لا تفارق وجهه الكريم وكان يمازح أصحابه، كما أنهم كانوا يمازحونه لعلمهم بكرم أخلاقه معهم، وحسن عشرته، وكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ ليّن الجانب في تعامله مع أصحابه، كما وصفه الله تعالى في القرآن الكريم فقال: (فَبِمَا رَحمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُم وَلَو كُنْتَ فَضَّا غَلِيظَ القَلبِ لانْفَضُوا مِنْ حَولِكَ فَأعْفُ عَنهُم واستَغفِر لَهُم وَشَاوِرْهُم فِي الأَمرِ فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلى اللهِ إِن اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِلِين) (آل عمران ـ 159)، وكذلك كان يسكب عليهم من معين الإيمان جرعات لا يظمؤون بعدها، ويحببهم في دينهم ويرغبهم في الهداية والإصلاح.

إذن كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يفعّل الجانب الاجتماعي والإنساني مع أصحابه الكرام فضلا عن الجانب الوجداني، وهو المظهر الذي من خلاله كسب قلوبهم وأسر مودتهم له، فكان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، ويدافع عنهم، ويعطف عليهم، ويسعى أن يراهم في أفضل حال وخلق وتعامل ورقي وعبادة وإخلاص.

2. العدل: كان العدل خلق من الأخلاق الملازمة للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وكان أول مظهر من مظاهر العدل أنه يساوي نفسه بهم ويكره التميز عليهم، بل يحب العدل والمساواة مع أصحابه فكان يتحمل المشاق والمتاعب مثلهم ويأكل ما يأكلون ويشرب ما يشربون، وقد عرضت عليه الملك فأبى إلا أن يكون عبدا لله، يعيش مع أصحابه حيث عاشوا.

كما أنه كان عادلاً في قضائه بين المتخاصمين من أصحابه وغيرهم من الناس، وكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يرضى تعطيل حدود الله التي شرعها سبحانه لإقامة العدل بين الناس ولو كان الجاني من أقربائه وأحبابه، ذلك كما حدث في حادثة المرأة المخزومية التي سرقت، فلم يقبل الرسول شفاعة أسامة، وقال مقولته المشهورة:(أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (صحيح مسلم).

3. التواضع: كان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يتصف بالتواضع في تعامله مع الكبير والصغير والقريب والبعيد والأصحاب، وذلك امتثالاً لقوله:(تِلكَ الدَّارُ الآخِرةُ نَجعَلَها لِلَّذينَ لا يُرِيدونَ عُلًّوا فِي الأرضِ وَلا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقين) (القصص ـ 183)، فكان من تواضعه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه كان يجلس مع أصحابه كواحد منهم ولم يكن يجلس مجلسًا يميزه عمَّن حوله، وكان يكره أن يراهم قيامًا له وتبجيله، وكان يقول:(مَنْ سرَّه أن يرى الناس له قيامًا فليتبوأَ مقعده من النار).

4. الإيثار: ومن مظاهر خلقه معهم أنه كان يقدمهم على نفسه في الخير، ويقدم نفسه عليهم في اتقاء الأعداء، وهذا ما يعرف بالإيثار، وعسه الأنانية والاستحواذ، فكان يفضّل غيره على نفسه ويقدم كل ما يملكه لغيره بكل محبه وسرور، وهناك العديد من القصص التي تروى لنا مدى اتصاف الرسول بخلق الإيثار، منها: أنه قدمت امرأة هديه للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وكانت عباره عن برده، ولبسها الرسول ـ عليه الصلاة والسلام، حيث إنه كان محتاجًا إليها وقدم إليه أحد أصحابه وطلبها منه وقدّمه له الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالرغم من حاجته إليها بكل طيب خاطر وسرور، وعندما رآه أصحاب الرسول أخبروه بأنه لم يكن عليه أن يطلبها من الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو محتاج لها حيث إنه يستحيل أن يرفض طلبه لأنه لا يرد سائلاً فأخبرهم بأنه لم يقصد أن يطلبها من الرسول ليلبسها بل قصد بأن يكفّنه بها عند موته وهذا ما حصل حيث إنه احتفظ بها وكفن بها بعد موته.

اقتدى صحابه الرسول به وآثروا غيرهم على أنفسهم وكانوا كرماء وقدموا للإسلام كل ما يملكون من أموال والأنفس ومن الأمثل على إثار الصحابة: أن رجلاً قدم إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ طالبًا الطعام، فلم يكن عند الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ في بيته سوى الماء فسأل أصحابه إن كان أحد منهم يستطيع ضيافته فأخذه أحد رجال الأنصار إلى بيته وطلب من زوجته أن تحضر له الطعام فأخبرته بأنه لا يوجد في البيت سوى القليل من الطعام لا بنائهم فطلب منها أن تحضره وتلهي أطفالها بشيءٍ آخر وتطفئ النور حتى لا يأكل الضيف دون الشعور بالحرج، فأين نحن من تلك الأخلاق؟.

ـ خاتمة:

لقد كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في تعامله مع أصحابه مثالاً فريدًا في العدل والتواضع، فجمع بين القيادة والرحمة، وبين الحزم واللين، وأسس علاقته بهم على قواعد إنسانية، واجتماعية، وإيمانية راسخة، ولم يكن يفضل نفسه عليهم، بل كان يؤثرهم بما يملك، ويمنحهم من حنانه وحكمته ما يملأ القلوب طمأنينة ومحبة.

وما أعظم أثره في نفوسهم، فقد اقتدى به أصحابه أيّما اقتداء، فحملوا خُلقه وسيرته إلى الناس، وكانوا بحقّ جيلًا فريدًا أصبح قدوة للأمم من بعدهم.. فما أحوجنا اليوم أن نستنير بهديه (صلى الله عليه وسلم)، ونُحيي في تعاملنا روح الأخوّة والعدل والإيثار، كما علّم أصحابه وعاش بينهم، ليبقى خُلقه نورًا يهدي القلوب في كل زمان ومكان.

سامي السيابي 

 كاتب عماني

(اللجنة الثقافية لفريق الهلال – نفعاء)