أيها القراء: .. ومع ماء جديد من أنواع الماء التي ذكرها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم نستكمل مسيرتنا، ألا وهو (ماء الأرض)، ومعنى ماء الأرض، كما يقول الإمام الشنقيطي في:(شرح زاد المستقنع 3/ 5، بترقيم الشاملة آليًّا): (فالله أسكن هذا الماء الذي نزل من السماء في الأرض، فإذا خرج خرج على أصل خلقته سواءً خرج من بئر، أو من عين، كل ذلك نسميه: ماءً طهورًا، ومثل ماء البئر: ماء العين، وماء النهر، وماء السيل، وقد جاء هذا النوع من الماء في كتاب الله تعالى بصور مختلفة، أذكر منها الماء الذي أضافه الله تعالى إلى الأرض ومنها قوله تعالى: (أَلَم تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء فَتُصبِحُ ٱلأَرضُ مُخضَرَّةً إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير) (الحج ـ 63)، (أَوَ لَم يَرَواْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلمَاءَ إِلَى ٱلأَرضِ ٱلجُرُزِ فَنُخرِجُ بِهِ زَرعا تَأكُلُ مِنهُ أَنعَمُهُم وَأَنفُسُهُم أَفَلَا يُبصِرُون) (السجدة ـ 27)، (خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَونَهَاۖ وَأَلقَى فِي ٱلأَرضِ رَوَسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُم وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّة وَأَنزَلنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوج كَرِيمٍ) (لقمان ـ 10)، (وَمِن ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ ٱلبَرقَ خَوفا وَطَمَعا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء فَيُحيِ بِهِ ٱلأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَت لِّقَوم يَعقِلُونَ) (الروم ـ 24)، (وَأَنزَلنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءَ بِقَدَر فَأَسكَنَّهُ فِي ٱلأَرضِۖ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابِ بِهِ لَقَادِرُونَ) المؤمنون: 18]، (وَٱلأَرضَ بَعدَ ذَلِكَ دَحَهَا، أَخرَجَ مِنهَا مَاءَهَا وَمَرعَاهَا) (النازعات 30-31)، جاء في (تأويل مشكل القرآن، ص12): (وقوله تعالى، إذ ذكر الأرض فقال: «أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعَاهَا» (النازعات ـ 31) كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتًا ومتاعًا للأنام، من العشب والشجر، والحب والثمر والحطب، والعصف واللّباس، والنّار والملح، لأن النار من العيدان، والملح من الماء، وينبئك أنه أراد ذلك قوله: «مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» (النازعات ـ 33)، وقال الخطيب الشربيني ـ رحمه الله ـ في كتابه: (الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير، ص775): («أَخْرَجَ مِنْهَا» أي: الأرض، «مَاءَهَا» أي: بتفجير عيونها، وإضافتها إليها دليل على أنه مودوع فيها)، واستنبط الخطيب ـ رحمه الله ـ من الآية دلالتها باللازم على مناسبة نسبة الماء إلى الارض في قوله تعالى: (مَاءَهَا) وهي الدلالة على أنَّ أصله يعود إلى باطنها وأنه مودوع فيها، فنسب الماء والمرعى إليها لأنهما يخرجان منها، فجاءت إشارة الآية إلى أن أصل الماء كله من الأرض، وهذا ما أثبته حديثًا العلم، فحقيقة إخراج كل ماء الأرض على كثرته هو من داخل الأرض، حيث أكَّد العلماء أن مصادر المياه هي الأرض ذاتها، وجاء وصف دورة الماء حول الأرض بدقة علمية فائقة، كما أُثبت أن مختلف صور الماء على سطح الأرض هي ناتجة من هذه الدورة المائية التي أظهر تعالى بها هذا الماء، والذي يعتبر ضرورة من ضرورات الحياة بطريقة مستمرة، من تبخيره إلى الغلاف المحيط بالأرض، ثم تكثيفه منه وإنزاله ماء طهوراً بتقدير من الله تعالى وحسب مشيئته وإرادته، فدلَّ على أن الماء جميعه أصله من الأرض، وإن شوهد أنه ينزل من السحاب، والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم صحة هذه الدلالة على ما استنبطه الخطيب ـ وإن كان الجزم به يقينًا قطعًا غير ممكن، لكن ظاهره الصحة وموافقة ما أثبته العلم حديثاً، وإن كان ثبوته غير قطعي؛ إذ هو قابل للتبديل والتعديل، لكن يشهد له آيات كثيرة، منها ما أشار إلى مصدر هذه المياه، قال تعالى:(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون ـ 18)، وآية أخرى تشير إلى تخزين الماء تحت الأرض في قوله تعالى:(وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (الحجر ـ 22)، ولم يكن معروفًا لدى أحد هذه الطريقة التي يُختزن بها هذا الماء، ولكن القرآن العظيم أخبر بهذه الحقيقة، وأكد أن ماء المطر هو ذاته يتم تخزينه في الأرض بقدرة الله، ويتم تنقيته في طبقات الأرض ليصبح قابلاً للسقاية، ولذلك قال:(فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ)، ولا ينُبئك مثل خبير، جلَّ في عُلاه.. وهو تعالى اعلم.
د.محمود عدلي الشريف