في ظل الأحداث الجارية والتحوُّلات التي تكتنف المشهد الإقليمي، وتداخل القراءات والتحليلات التي تكشف أحيانًا عن بعض القصور والالتباس في قراءة المشهد، وهنا من الأهميَّة العودة مجددًا للتذكير بثوابت السياسة العُمانيَّة، ووضع النقاط على الحروف لإزالة الالتباس الناجم عن القراءة من زاوية واحدة، ولا بُدَّ من العودة إلى الوراء لاستقراء المواقف العُمانيَّة الثابتة.
عندما حدث الهجوم المشترك الأميركي ـ الصهيوني على إيران في وقت كاد يصل فيه الطرفان (إيران والولايات المتحدة) إلى اتفاق حول الملف النووي بوساطة عُمانيَّة، فكان على سلطنة عُمان أن تمارس دورها الحضاري المشرف والمسؤول بإصدار بيان يُدين الهجوم على إيران وانتهاك القانون الدولي في الوقت الذي قطعت فيه المفاوضات شوطًا طويلًا، واستمرت سلطنة عُمان تتبنى موقفًا واضحًا ملتزمًا بقواعد القانون الدولي. ومع التحوُّلات خلال سَير المواجهة وسيطرة إيران على مضيق هرمز كورقة من أوراق الحرب أجازها خبراء القانون الدولي؛ باعتباره دفاعًا عن النفس وفقًا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة: «ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول ـ فرادى أو جماعات ـ في الدفاع عن نفسها إذا اعتدت قوَّة مسلَّحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة»، فكان استخدام ورقة المضيق ضمن قواعد الدفاع عن النفس.
استمر النهج العُماني واضحًا داعيًا إلى تغليب لُغة الحوار لإنهاء التوترات والمواجهات بالطُّرق السلميَّة. كما استمرت سلطنة عُمان بالاتصالات الدؤوبة مع دول الإقليم دعمًا للمفاوضات التي جرت في باكستان، ومع ذلك لم تسْلَمْ بلادي من بعض الإشارات السلبيَّة الصادرة من مختلف الأطراف، لكنها لم تتزعزع متمسكةً بثوابتها الرصينة التي راكمتها الحضارة العُمانيَّة عبر قرون، فلم تلتفت للوراء، بل أكدت على مساعيها الصادقة بكل عزم من أجلِ تحقيق السلام والحفاظ على الأمن والسِّلم الدولي، وهما ركيزتا الأمم المتحدة.
بعد توقيع مذكرة التفاهم في إسلام أباد التي لم يطُلْ بها الأمر، حدث اختراق سريع لِتعودَ حالة اللاسلم تحيط بالمنطقة مع بدء الضربات الأميركيَّة المتجدِّدة على إيران، قابلها رد إيراني حازم، فكان مضيق هرمز أهمَّ القضايا، بل أصبح القضيَّة الأكثر حساسيَّة ومحور الخلاف الرئيس بين الطرفين. ومع أن مذكرة التفاهم نصَّت على استمرار مرور السفن التجاريَّة، لكن كل طرف بدأ يتهم الآخر، كما تصاعد الخلاف بعد طرح ترتيبات تتعلق بإدارة المرور أو فرض رسوم مع إجراءات أمنيَّة جديدة، فأعادت الولايات المتحدة تشديد بعض الإجراءات والعقوبات، معتبرةً أن إيران لم تلتزم بتعهداتها. في حين ترى طهران أن ذلك يُمثِّل خرقًا مباشرًا لروح مذكرة التفاهم، وتم استئناف العمليَّات العسكريَّة مجدَّدًا واستمر تبادل الاتهامات ما أدَّى إلى تآكل الثقة بين الطرفين، ليصبح مضيق هرمز هو العقدة الأساسيَّة التي تهدِّد بانهيار مذكرة التفاهم والاتفاق عمومًا. هنا تقدَّمت سلطنة عُمان بمقترح لحلِّ أزمة المرور في مضيق هرمز، تضمَّن المقترح تسهيل العبور عبر الممر الجنوبي للمياه العُمانيَّة، بينما يشترط عبور الممر الشمالي موافقةً مسبقةً من قبل إيران ودون رسوم.. وهذا المقترح العُماني بالطبع لم يلغِ ما سبق الحديث عنه حول دراسة شاملة للخدمات المقدَّمة للسفن والشركات، وتحديد رسوم مقابل تلك الخدمات وتجويدها وفقًا للقانون الدولي على غرار نموذج مضيق ملقة الدولي. وفي كل الأحوال فإن سلطنة عُمان كدولة مشاطئة لمضيق هرمز تبحث عن مخرج سلمي آمن للأزمة، مع علمها المسبق أن المضيق كان وما زال ورقةً من أوراق المواجهة، لكن عُمان ليست طرفًا فيها وتريد أن تنأى بنفسها عن تلك المواجهة.
إنَّ سلطنة عُمان وهي تبحث عن السلام ما زالت تقف مع الحق وتغليب لُغة الحوار وإدانة أيِّ اعتداء؛ فعندما تعرضت إيران للهجوم كان موقف سلطنة عُمان واضحًا صادقًا متفقًا مع القانون الدولي بإدانة ذلك الهجوم، وكذلك كان موقف الرأي العام العُماني. وعندما تعرضت دول الخليج إلى انتهاك سيادتها سارعت سلطنة عُمان إلى إدانة تلك الضربات، وكذلك كان موقف مثقفيها. وقد تحدَّثنا عبر الفضائيَّات ووسائل الإعلام بإدانة الضربات على دول الخليج والدول العربيَّة وأيّ انتهاك لسيادة الدول. اليوم تؤكد سلطنة عُمان وجميع مثقفيها وأبناؤها إدانة المساس بالسيادة العُمانيَّة، وكما عبَّرنا من قَبل عن إدانة الهجوم على إيران، مؤكدين التضامن مع جمهوريَّة إيران الإسلاميَّة، فإن الموقف الرسمي والشَّعبي العُماني اليوم لا يحتاج لمزايدات من الداخل والخارج، وكل مَن رفع عقيرته وانبرى لنقد المواقف العُمانيَّة أو مواقف نُخبها المثقفة نقول لهم إن سلطنة عُمان تتكئ على مواقف إنسانيَّة رصينة وصادقة وترتكز على قواعد القانون الدولي، وهكذا هم نُخبة مثقفيها الذين يؤمنون بمواقف بلادهم المشرِّفة، وكل ما تعلنه بلادنا نحن معها جملةً وتفصيلًا، ونرفض المساس بالسيادة العُمانيَّة بغَضِّ النظر عمَّا تختزله التفاصيل في كواليس المسرح السياسي، ونؤكد على تعزيز أواصر السلام ودعم السِّلم والأمن الدولي. وكما تحدَّثنا سابقًا عبر الفضائيَّات ووسائل الإعلام بكل شجاعة، فالأمر لا يختلف اليوم حيث نقف بكل وضوح مع مواقف بلادنا الراسخة المضيئة، ونؤكد أن سلطنة عُمان كانت وما زالت صادقةً مع نفسها وصادقةً مع الآخرين.
خميس بن عبيد القطيطي