الأربعاء 15 يوليو 2026 م - 30 محرم 1448هـ
أخبار عاجلة

التضخم المنخفض يعكس التوازن بين النمو والاستقرار

التضخم المنخفض يعكس التوازن بين النمو والاستقرار
الأربعاء - 15 يوليو 2026 05:06 م

جودة مرسي

10

وفقًا لبيانات الرقم القياسي لأسعار المستهلكين الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بلغ معدل التضخم في سلطنة عُمان (2.8%) خلال يونيو (2026)م، ويمكن النظر إليه باعتباره مؤشرًا اقتصاديًّا متوازنًا أكثر من كونه مصدر قلق، خصوصًا إذا قُرئ في سياق المستهدفات التي تركز على تنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتحقيق الاستدامة الماليَّة، ورفع جودة الحياة. كما يمكن اعتبار تضخم (2.8%) مؤشرًا يعكس توازنًا بين النمو والاستقرار؛ فهو مرتفع بما يكفي ليعكس وجود نشاط اقتصادي، لكنَّه ليس مرتفعًا إلى درجة تهدِّد الاستقرار المالي أو تقلل جاذبيَّة الاستثمار. وإذا استمر هذا المستوى بالتوازي مع نُمو الناتج المحلِّي، وتحسّن الإنتاجيَّة، وارتفاع فرص العمل، فإنه سيدعم تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في بناء اقتصاد متنوع، تنافسي، ومستدام، مع تعزيز ثقة المستثمرين وتحسين جودة الحياة على المدى البعيد؛ لأن الرسائل الاقتصاديَّة التي يحملها الرقم تعكس نمو الاقتصاد العُماني في بيئة تتسم باستقرار الأسعار، وأن الإصلاحات الاقتصاديَّة والماليَّة التي تنفذها الحكومة تسهم في الحدِّ من الضغوط التضخميَّة، مع توافر بيئة أكثر جاذبيَّة للاستثمار مقارنةً بالعديد من الاقتصادات التي تواجِه تقلُّبات أكبر في الأسعار.

ماذا يعني هذا الرقم بالنسبة لرؤية «عُمان 2040»؟

تستهدف رؤية «عُمان 2040» بناء اقتصاد متنوع ومستقر، ولذلك فإن الحفاظ على التضخم ضمن مستويات معتدلة يُعَدُّ من أهم عناصر نجاحها. فالتضخم عند (2.8%) يشير إلى أن الاقتصاد يشهد نشاطًا في الطلب والاستهلاك دون الدخول في موجة تضخم مرتفع قد تؤثر في الاستقرار الاقتصادي، وأن السياسات الماليَّة والنقديَّة تَسير في اتجاه يوازن بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار، إلى جانب أن بيئة الأعمال أصبحت أكثر قابليَّة للتنبؤ، وهو عنصر أساس في جذب المستثمرين. وبالتالي، فإن هذا المستوى من التضخم يتوافق مع أحَد أهمِّ أهداف الرؤية، وهو تحقيق اقتصاد مستدام يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والمرونة، بالإضافة إلى أن تأثيره على الاستثمار، من منظور المستثمرين، غالبًا ما يكون عاملًا إيجابيًّا؛ لأن المستثمر المحلِّي أو الأجنبي يبحث عن اقتصاد يتميَّز باستقرار الأسعار، ووضوح تكاليف التشغيل مع القدرة على التنبؤ بالعوائد المستقبليَّة. وعندما يكون التضخم في حدود (2) إلى (3%) يسهل إعداد دراسات الجدوى الاقتصاديَّة، وتنخفض مخاطر تآكل الأرباح بسبب ارتفاع التكاليف بصورة مفاجئة، فتصبح عُمان أكثر تنافسيَّة مقارنةً باقتصادات تعاني من تضخم مرتفع، وهذا ما ينسجم مع جهود السلطنة لجذب الاستثمارات في العديد من القطاعات، مثل: الصناعة، والسياحة، واللوجستيَّات، والتعدين، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي.

أمَّا بالنسبة للشركات، فإن الرقم (2.8%) يحمل آثارًا إيجابيَّة تتمثَّل في زيادة معتدلة على الطلب الاستهلاكي، مع إمكانيَّة تعديل الأسعار تدريجيًّا دون التأثير الكبير على القدرة الشرائيَّة، بالإضافة إلى استقرار تكلفة التمويل. ومن المتوقع أن تستفيد الشركات التي تعتمد على التكنولوجيا والتحوُّل الرَّقمي من تحسين الكفاءة التشغيليَّة والحدّ من أثر ارتفاع التكاليف. أمَّا الجانب الأكثر ارتباطًا بالحياة اليوميَّة، وهو التأثير على القوَّة الشرائيَّة للمواطنين والمقيمين، فعندما ترتفع الأسعار بنسبة (2.8%)، فإن القوَّة الشرائيَّة تنخفض إذا لم ترتفع الدخول بالنسبة نفسها أو أكثر؛ فمثلًا إذا كان دخل شخص يبلغ (1000) ريال عُماني، ولم يتغير خلال عام، فإن قدرته الشرائيَّة تصبح أقل قليلًا مقارنةً بالعام السابق. أمَّا إذا زاد دخله بنسبة (4%) أو (5%) فإنه يكون قد عوض أثر التضخم، بل وحقَّق تحسنًا في دخله الحقيقي؛ لأن الجزء الأكبر من الارتفاع جاء في المواد الغذائيَّة، والنقل، والمطاعم، فإن الأُسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض ستكون الأكثر تأثرًا، خصوصًا إذا كانت هذه البنود تُمثِّل نسبةً كبيرةً من إنفاقها الشهري. والخلاصة أن كثيرًا من المؤسَّسات الاقتصاديَّة تعدُّ التضخم الذي يدور حول (2) إلى (3%) علامةً على اقتصاد صحي؛ لأنه يعني استمرار النشاط الاقتصادي، وعدم وجود ركود أو ارتفاعات حادَّة في الأسعار، عكس الأمر إذا تجاوز (5–6%) لفترة طويلة، فقد تبدأ آثاره السلبيَّة بالظهور بصورة أوضح على الاستهلاك والاستثمار.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»