الأربعاء 15 يوليو 2026 م - 30 محرم 1448هـ
أخبار عاجلة

تمويل الاحتكار

تمويل الاحتكار
الأربعاء - 15 يوليو 2026 05:05 م

د.أحمد مصطفى أحمد

10

يقول رئيس مصرف «سوفت بنك» الاستثماري: إن الذَّكاء الاصطناعي يحتاج إلى استثمارات بنحو خمسة تريليونات دولار في السنوات القادمة. ذلك بالإضافة إلى أكثر من تريليونَي دولار استُثمرت بالفعل في هذا القطاع التكنولوجي الصاعد حتى الآن. كما دافع عن الاستثمار في القطاع مقللًا من مخاطر حدوث «فقاعة» مثلَّما يحذِّر كثيرون. طبعًا ذلك ما هو متوقع من مستثمر بالمليارات في هذا القطاع، لكن الواقع العملي يؤيد ما يقوله عن استمرار تدفق الاستثمارات في الذَّكاء الاصطناعي رغم كل المخاوف في الأسواق من انفجار فقاعة القطاع وانهيار أسهم شركاته. فهناك قلق متصاعد من المستثمرين في الذَّكاء الاصطناعي بأن استثماراتهم قد لا تُحقق لهم العائدات والأرباح الهائلة المتوقعة؛ إذ إن ذلك هو هدف هؤلاء المستثمرين الكبار بِغَضِّ النظر عن تطوُّر تلك التكنولوجيا أو فائدتها للعالم واقتصاده.

رغم مئات المليارات التي تضخُّها الصناديق والبنوك الاستثماريَّة، أي كبار المستثمرين المؤسَّساتيين، إلَّا أن قدرًا مهمًّا من الأموال التي «تحرقها» شركات الذَّكاء الاصطناعي هي أموال مستثمرين صغار ومتعاملي التجزئة في البورصات حول العالم. فمع المغالاة المستمرة في قِيمة أسهم تلك الشركات يغامر الأفراد بشرائها على أمل تحقيق أرباح كبيرة. وغالبًا ما يكون هؤلاء أكبر الخاسرين في حال حدوث تصحيح في السوق، لكن تلك طبيعة التعامل في البورصة بأيِّ حال. بِغَضِّ النظر عن وجود فقاعة أم لا في قطاع الذَّكاء الاصطناعي، ومَن يمكن أن يخسر القدر الأكبر إذا انفجرت تلك الفقاعة وانهارت أسهم شركات القطاع، فإن هناك مسألةً أهمَّ وأخطر في تمويل شركاته وعمليَّات إقامة مراكز البيانات الهائلة التي يحتاجها لتشغيله.

فكل تلك الاستثمارات تُعظِّم من دور عدد محدود من شركات الذَّكاء الاصطناعي لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، ما يعني تمويلًا لاحتكار ربما غير مسبوق في العالم. ثم إن استراتيجيَّة تلك الشركات من تطوير الذَّكاء الاصطناعي لا تقتصر على إضافة منتج تكنولوجي جديد يسهل حياة البشر بقيامه بمهام تدعم نشاطهم، إنما تستهدف الهيمنة الكاملة على الاقتصاد العالمي كله في غضون سنوات. حتى هؤلاء الذين يعملون في البرمجة الحاسوبيَّة (الكمبيوتريَّة) وكتابة «السوفتوير» لن تكون هناك حاجة إلى خدماتهم بعد فترة؛ إذ بدأت بعض برامج الذَّكاء الاصطناعي تعيد كتابة برامجها وتطويرها بنفسها. ومع تطوير الروبوتات التي تعمل بالذَّكاء الاصطناعي لن تقتصر هيمنة التكنولوجيا الجديدة على الوظائف «الذهنيَّة» مثل المحاسبة وشؤون الأفراد والتسويق وأمثالها، بل ستنسحب أيضًا على الأعمال اليدويَّة، ما يعني هيمنةً كاملةً على أغلب قطاعات الاقتصاد العالمي إن لم يكُن كلها.

من هنا، فإن ما يدفعه متداول فردي في شراء بضعة أسهم في شركة من شركات الذَّكاء الاصطناعي ليس فقط تمويلًا لاحتكار عدد قليل من الشركات لذلك القطاع المتنامي، وإنما يُعَدُّ تمويلًا لاحتكار الاقتصاد العالمي كله من قِبل حفنة من الشركات والأشخاص. فهل هذا فعلًا ما نريده؟! وهل مستقبل الاقتصاد العالمي كلِّه هو في الاعتماد المطَّرد على الذَّكاء الاصطناعي حتى يحلَّ محلَّ البشر في كافة أعمالهم؟ هذا ما يروِّج له أنصار تطوير تلك التكنولوجيا إلى أبعاد لا حدود لها، حتى رغم إدراك خطر أن ذلك قد يعني سيطرة التكنولوجيا عليهم هم أنفسهم، فمع تعلُّم الآلة لن تحتاج حتى لمن يشغلها. وهناك من الاقتصاديين والمحلِّلين مَن يتبنى ذلك النهج ويحاول التأصيل نظريًّا؛ لأن دخول الذَّكاء الاصطناعي في قطاعات أكثر من الاقتصاد سيعني «وفرة» هائلة تعود بالنفع على بقيَّة البشر على كوكب الأرض. إنما يتمثل هؤلاء ما كان يشير إليه اقتصاديون (على طريقة السياسيين) بمصطلح Trickle-down Effect أو «تأثير التسريب». بمعنى أن تراكم الثروات ولو لدى فئة صغيرة في مُجتمع ما سيؤدي إلى زيادة في معدَّلات الناتج المحلِّي الإجمالي، وبالتالي عودة النفع على الجميع من خلال ارتفاع مستوى معيشة الكل. وتلك فرية مضلِّلة لم يحدُث أن أثبتها الواقع العملي على الإطلاق.

ربما يصعب إقناع الناس بأن استثماراتهم في الذَّكاء الاصطناعي إنما تموِّل احتكارًا شديد الخطورة في المستقبل. ففي النهاية ليس هناك قطاع ينمو بسرعة أكثر من ذلك القطاع، وكل التوقعات بأن العالم كلَّه سيعتمد عليه بكثافة في المستقبل، ما يعني احتمالات ارتفاع أسهم شركاته، وبالتالي تحقيق مَن يشتري تلك الأسهم الآن مكاسب هائلة. وأمام تقديرات الكسب السريع والكبير لن يلتفت أحد لحديث عن مخاطر أوسع على العالم واقتصاده كله، فنحن في النهاية نعيش مرحلةً تتقدم فيها الفرديَّة بشكل غير مسبوق على حساب فكرة الجماعة ومصالحها المشتركة. إلَّا أن ما يمكن أن يجعل المستثمرين ـ مؤسَّسات وأفرادًا ـ يترددون في ضخ الأموال في شركات الذَّكاء الاصطناعي فهو القلق من احتمال هبوط أسعار تلك الأسهم في عمليَّة تصحيح أو انهيار في السوق نتيجة المغالاة في قِيمتها. إنَّما حتى تلك المخاوف ـ على جديَّتها ـ قد لا تردع كثيرين عن «الاستثمار في الاحتكار»، فمرة أخرى إن طبيعة الأسواق هي المغامرة، وكلَّما غامر المستثمر أكثر حقق أرباحًا أكبر أو خسائر أكبر أيضًا. إنَّما ـ للأسف ـ لا ينتبه العالم إلى أن المخاطرة في سوق الأسهم مع قطاع الذَّكاء الاصطناعي وتريليوناته تتجاوز كثيرًا المكسب والخسارة الآنيَّة إلى احتمالات مفتوحة على خطر عالمي قد يتجاوز الاقتصاد.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]