تُعد الكفاءة البشرية الثروة الحقيقية لأي دولة أو مؤسسة، فهي المحرك الرئيسي للتنمية، وأساس الابتكار، وركيزة بناء مؤسسات قادرة على مواكبة المتغيرات وتحقيق الأهداف.
فالأوطان لا تنهض بالموارد وحدها، وإنما تنهض بالعقول التي تدير تلك الموارد، وبالكفاءات التي تمتلك العلم والخبرة والنزاهة والإخلاص، فالعقول المبدعة والخبرات المتراكمة والطاقات القادرة على العطاء تمثل ركيزة أساسية في تقدم المؤسسات وازدهار الأوطان، إلّا أن معاناة بعض الكفاءات تبدأ عندما تجد نفسها أمام واقع لا يتناسب مع ما تقدمه من جهد، فتتحول الطموحات إلى انتظار طويل، وتصبح الخبرة والإبداع أمام تحدي التهميش.
إن منح الموظف الكفء حقه الوظيفي لا يرتبط فقط بالترقية أو المنصب، بل هو تقدير لقيمة العطاء واحترام للقدرات التي يمتلكها الفرد، فالكفاءة التي لا تجد طريقها إلى التقدير قد تفقد جزءًا من حماسها، ليس بسبب قلة الرغبة في العمل، وإنما بسبب الشعور بأن الجهد المبذول لا يلقى الاهتمام الذي يستحقه، والمؤسسات الناجحة هي التي تدرك أن العدالة الوظيفية ليست مطلبًا شخصيًّا، بل عنصرًا أساسيًّا لرفع مستوى الأداء وتحقيق الأهداف.
فعندما يشعر الموظف بأن الاجتهاد والتميز لهما مكانة حقيقية، فإنه يقدم المزيد من العطاء، ويصبح شريكًا في صناعة النجاح، أما عندما تُهمل الكفاءات ويُغفل دورها، فقد تخسر المؤسسة فرصًا ثمينة للاستفادة من قدرات موجودة لديها، ولا يعني الحديث عن تهميش الكفاءات أن الطريق يجب أن يكون مفتوحًا للجميع دون معايير، فالتقييم والاختيار يجب أن يقوم على أسس واضحة من الخبرة والإنجاز والقدرة على تحمل المسؤولية، لكن العدالة تكمن في أن تكون هذه المعايير مطبقة على الجميع، وأن تُمنح الفرص لمن يستحقها بعيدًا عن أي اعتبارات لا تخدم مصلحة العمل.
إن احترام الكفاءات هو احترام لمستقبل المؤسسات؛ لأن الخبرات التي يتم تجاهلها اليوم قد تكون هي الحلول التي تحتاجها المؤسسة غدًا، فالموظف الطموح لا يبحث فقط عن مكافأة أو منصب، بل يبحث عن بيئة تؤمن بقدراته وتمنحه فرصة لإثبات ذاته والمساهمة في مسيرة النجاح.
وفي النهاية، فإن إعادة النظر في آليات تقدير الكفاءات أصبحت ضرورة لتحقيق بيئة عمل أكثر عدلًا وتحفيزًا، فالأمم لا تتقدم بكثرة الأنظمة فقط، بل بقدرتها على اكتشاف المتميزين ومنحهم المكانة التي تليق بعطائهم، والكفاءة عندما تُرعى تزدهر، وعندما تُهمّش تخسر المؤسسة قبل أن يخسرها صاحبها.
زاهر بن ناصر الكويلي