الثلاثاء 14 يوليو 2026 م - 29 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : صلة الرحم.. جسر إلى الجنة

أضواء كاشفة : صلة الرحم.. جسر إلى الجنة
الثلاثاء - 14 يوليو 2026 05:10 م

ناصر بن سالم اليحمدي

تُعَدُّ صلة الرحم من أعظم الروابط التي جعلها الله تعالى أساسًا لعمارة الأرض، ووسيلة لحفظ المودَّة، وصمام أمان للأُسرة والمُجتمع.. فهي ليست مجرد علاقة دم أو نَسَب، وإنَّما ميثاق أخلاقي ومسؤوليَّة دينيَّة تتجلى فيها معاني الوفاء والرحمة والإحسان.. وما أبهى المُجتمع حين تتشابك فيه الأيدي والقلوب قَبل أن تتشابك المصالح.

لقد جعل الإسلام صلة الرحم عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه وربطها برضوانه، وجعل قطيعتها من أعظم الذنوب التي توجب سخط الله تعالى.. قال سبحانه جلَّ شأنه: «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ».. كما جاءت السنَّة النبويَّة لتؤكِّد هذا المعنى العظيم أيضًا في أكثر من حديث شريف، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها».. وهنا يتجلى سُموُّ الأخلاق الإسلاميَّة التي ترتقي إلى مقابلة الجفاء بالإحسان والإعراض بالمودَّة والقطيعة بالوصل.

لا شك أن صلة الرحم ليست زيارة عابرة تؤدَّى في المناسبات، ولا كلمات مجاملة تُقال على عجل.. وإنَّما هي حضور دائم في حياة الأقارب، ومواساة عند الشدائد، ومشاركة في الأفراح، وسؤال عن الغائب، وإغاثة للمحتاج، وإصلاح بين المتخاصمين، وكفٌّ للأذى، واحتمال للهفوات، وفتحٌ لأبواب الصفح والتسامح.. إنَّها منظومة متكاملة من الرحمة الإنسانيَّة التي تفيض من قلب المؤمن لأنَّه يعلم أن ما يقدِّمه اليوم لأرحامه إنَّما يدَّخره عند الله تعالى.

للأسف تغيَّرت أنماط الحياة، وتسارعت وتيرة الأيَّام وانشغل الناس بأعمالهم وأجهزتهم وشؤونهم.. إلَّا أن هذه المتغيِّرات لا ينبغي أن تكون ذريعة لإهمال الأرحام أو نسيان حقوقهم.. فكم من بيت فرَّقته الخصومات الصغيرة.. وكم من إخوة حالت بينهم كلمة عابرة أو ميراث أو سُوء ظن حتى امتدَّت القطيعة سنوات طويلة وخسر الجميع دفء القرب وسكينة المودَّة!

لا شك أن من أبرز التحدِّيات التي تواجه صلة الرحم في عصرنا هذا الثورة الرَّقميَّة التي اجتاحت حياة الناس حتى أصبحت الهواتف الذكيَّة ومنصَّات التواصل الاجتماعي هي الوسيط الأول، بل الوحيد في كثير من الأحيان بين الأقارب.. فما كان يحتاج في الماضي إلى شدِّ الرِّحال وطَرْق الأبواب، وتبادل المجالس، أصبح اليوم لا يتجاوز رسالة إلكترونيَّة أو صورة تحمل عبارة تهنئة أو رمزًا تعبيريًّا يُرسل في مناسبة أو كلمات مقتضبة في التعزية.. ثم ينصرف كل واحد إلى عالمه الافتراضي لتتباعدَ المسافات الوجدانيَّة بين القلوب.

لقد كانت البيوت في الأمس عامرة بزيارات الأقارب.. وكانت المناسبات الاجتماعيَّة مواسم يلتقي فيها الكبير بالصغير ويتعارف الأبناء وتتجدد أواصر المودَّة، ويقف الجميع صفًّا واحدًا في الأفراح والأتراح.. أمَّا اليوم فقد غلبت الرسائل السريعة على اللقاءات، وحلَّت الشاشات محلَّ المجالس؛ حتى أصبح بعض الناس يظن أنَّه أدَّى حقَّ رحمه بمجرد ضغطة زر أو رسالة منسوخة يرسلها إلى عشرات الأشخاص في وقت واحد.

نحن لا نعني بذلك أن التكنولوجيا شر في ذاتها، فهي نعمة عظيمة يسَّرت التواصل، واختصرت المسافات، ومكَّنت المغتربين من الاطمئنان على ذويهم بالصوت والصورة.. لكنَّها لا ينبغي أن تكون بديلًا عن الزيارة، ولا أن تحلَّ محلَّ المصافحة أو المشاركة الوجدانيَّة أو الجلوس الذي تتبادل فيه القلوب قَبل الكلمات.

ومن هنا تكتسب دعوة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان أهميَّة متجدِّدة في هذا العصر.. فهي ليست دعوة إلى مجرد تبادل التحيَّات، وإنَّما إلى إحياء المعنى الحقيقي لصلة الرحم بالمبادرة إلى الوصل، وتجاوز القطيعة وتجديد اللقاء، وعدم الاكتفاء بما تمنحه وسائل التقنيَّة من تواصُل شكلي قد يفتقد روح القرب والرحمة التي أرادها الله تعالى بين ذوي الأرحام.. وما أحوج الأُمَّة اليوم إلى أصوات العلماء التي تذكر الناس بهذه الفريضة العظيمة، وتُعيد إلى النفوس وعيها بقِيمة الرحم وحرمتها.

لقد أكَّد سماحة الشيخ الخليلي أن لصلة الرحم حقًّا عظيمًا لا يقدر قدره ودعا كل مَن يخشى عقاب الله تعالى ويرجو رحمته إلى المبادرة بوصل رحمه حتى وإن كان الرحم هو الذي بدأ بالقطيعة.. إنَّها دعوة تنبع من فهمٍ عميق لجوهر الشريعة.. فالمؤمن لا يجعل إحسانه رهينًا بإحسان الآخرين ولا يقيس واجبه بواجب غيره، وإنَّما يجعل ميزانه أمر الله تعالى وابتغاء مرضاته.

إنَّ هذه الدعوة الكريمة مشروع إصلاح اجتماعي وأخلاقي.. لأنَّ المُجتمعات لا تتماسك بالقوانين وحدها، وإنَّما بالقلوب المتراحمة والأُسر المتحابة والأقارب الذين يتجاوزون أسباب الخلاف من أجل ما هو أعظم وأبقى.. وما أجمل أن يبدأ الإنسان بنفسه فيرفع سماعة الهاتف أو يطرق باب قريب هجره الزمن أو يبعث رسالة صادقة تفتح باب الصلح.. فقد تكون كلمة واحدة سببًا في إنهاء سنوات من الجفاء، وربما كانت سببًا في نزول رحمة الله وبركاته.. فالتنازل عن الخصومة ليست ضعفًا، بل قوَّة نفس وعلوّ همَّة وصِدق إيمان.. فالنفوس الكبيرة هي التي تسمو فوق الجراح وتقدِّم رضا الله على نزعات النفس، وتؤثر جمع الشمل على انتصار الذَّات.

إنَّ صلة الرحم تبارك الأعمار، وتشرح الصدور، وتزيد الألفة، وتغرس في الأبناء معاني البِر والوفاء.. فينشأ جيل يعرف قِيمة الأُسرة، ويحفظ حقوق الأقارب، ويستشعر أن الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، وإنَّما يعيش ضمن شبكة من الحقوق والواجبات التي أرادها الله تعالى سببًا لاستقرار المُجتمع وسعادته.

فلنجعل من هذه الفريضة منهج حياة لا مناسبة عابرة.. ولْنَكُن ممَّن يبدؤون بالسلام، ويسارعون إلى العفو، ويتقربون إلى الله تعالى بخطوات الإصلاح والوصل.. فالرحم باب من أبواب الرحمة، ومن تعلَّق به تعلَّق بأسباب الخير في الدنيا والآخرة.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني