الثلاثاء 14 يوليو 2026 م - 29 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : عندما تصبح القيم لغة جامعة ناعمة لجودة الحياة وصون الهوية الوطنية

في العمق : عندما تصبح القيم لغة جامعة ناعمة لجودة الحياة وصون الهوية الوطنية
الثلاثاء - 14 يوليو 2026 05:09 م

د.رجب بن علي العويسي

يضعنا الحديث عن القِيَم كلُغة جامعة ناعمة، ورابطة إنسانيَّة مشتركة في تعزيز الهُوِيَّة الوطنيَّة وترسيخ الثوابت وتعظيم السَّمت العُماني، أمام استشراف ما يحمله الاهتمام السَّامي لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان المُعظَّم بالقِيَم العُمانيَّة في إطارها الشامل والواسع، لتشكِّلَ بدورها منطلقًا لبناء الإنسان العُماني الواعي لخصوصيَّته والمدرك لمسؤوليَّاته، وإنتاج الشخصيَّة العُمانيَّة الكفؤة الملتزمة بمبادئها وقِيَمها في عالم مضطرب، بما يضمن اعتزاز الشباب العُماني بقِيَمه الأصيلة وعاداته الحسنة ومبادئه الثابتة وخصوصيَّته التي يتميَّز بها عن غيره أو يتقاسم مشتركاتها مع العالم، ليكون له بصمة حضور أقوى في تجسيد ملامحها في شخصيَّته، وإعادة إنتاجها في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والتنموي، بما يحفظ الهُوِيَّة الوطنيَّة ويصون الثوابت والمبادئ العُمانيَّة.

وبالتالي فإنّ وضع التَّوجيهات والأوامر السَّامية بشأن القِيَم العُمانيَّة موضع التنفيذ المطْلق لها، يستدعي اليوم جهدًا نوعيًّا من سُلطات المُجتمع التشريعيَّة والقضائيَّة والتنفيذيَّة، والمنظومات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والتعليميَّة والإعلاميَّة والأمنيَّة، وفق أُسُس ثابتة ومنهجيَّات دقيقة واستراتيجيَّات محدَّدة وأدوات محكمة وأُطُر وتشريعات تضمن لها الاستدامة والتأثير وصناعة الأثر، للوصول إلى إجراءات تنفيذيَّة تأخذ مسار التأطير والتقنين والضبط والمراجعة، بحيث تستشرف في قادم الوقت بناء إطار وطني للقِيَم، يضع في أولويَّاته تشجيع الشباب على الالتزام والاعتزاز والفخر بالقِيَم العُمانيَّة الأصيلة، وتقوية دور منظومات الدولة ومؤسَّساتها والقطاعات المختلفة في تحقيقها، وتعظيم دور الأُسرة وتنشيط دور الإعلام والخِطاب الدِّيني، والمؤسَّسات البحثيَّة والتعليميَّة في تعزيز حركة البحث العلمي في القِيَم العُمانيَّة، وتَبنِّي مبادرات مُجتمعيَّة مؤسَّسيَّة لزيادة سقف المنافسة القِيَميَّة في بيئات العمل والسلوك المُجتمعي العام.

وبالتالي أن تستلهم المنظومات المُجتمعيَّة من الفكر السَّامي أدوارها في المحافظة على القِيَم وتجسيدها في حياة أبناء عُمان وممارساتهم، وتعميق حضورها في مواقفهم الحياتيَّة، وبناء النماذج والاستراتيجيَّات الدَّاعمة، فمن جهة يقع على عاتق المنظومات التربويَّة والتعليميَّة والإعلاميَّة والدينيَّة مسؤوليَّة تبسيط القِيَم في عمليَّات التدريس والتوعيَّة والتثقيف المُجتمعي، وتأكيد دورها في إعادة إنتاج وتحسين الواقع وتطويره وبناء شخصيَّة المواطن، وإيجاد برامج محاكاة لها في الواقع، وتوظيفها في بيئة التعليم والعمل والأُسرة، وتوفير المنصَّات الدَّاعمة والمحفِّزة والمنافسة لها، كما يقع على المنظومات التشريعيَّة والرقابيَّة والقضائيَّة والأمنيَّة تَبنِّي الأدوات الرقابيَّة وسَنُّ التشريعات والقوانين الضابطة للقِيَم والمعزّزة لتنفيذها على أرض الواقع، وتجسيدها في شخصيَّة المواطن، وتمييز الثابت منها والمتغير، وإنتاج النصوص التشريعيَّة الضَّامنة للثوابت القِيَميَّة، أو اتخاذ إجراءات تفعيل للتشريعات القائمة في هذا الشأن، وسدّ كل المنابع والمبرِّرات والظواهر السلبيَّة المؤدية إلى نفوق القِيَم، فإن من شأن هذا الحراك الوطني المتَّجه نحو القِيَم أن يرسم صورة مكبرة حول التربية القِيَميَّة والبناء الفكري لدى الأجيال والشباب، وانتزاع سلوك الرهبة والخوف من القِيَم إلى بناء مسار التفاعل والإيجابيَّة في التعاطي مع القِيَم.

من هنا تُمثِّل القِيَم صورة نموذجيَّة لمفهوم التقارب والتكامل الوطني، ورابطة أخلاقيَّة تضع مؤسَّسات المُجتمع أمام مسؤوليَّات واضحة في صناعة المشهد القِيَمي والأخلاقي القادم في حياة النشء، في ظل حجم التغييرات التي بات يُسقطها التحوُّل الرَّقمي والفضاء الرَّقمي والمنصَّات الاجتماعيَّة على السلوك العام الممارس في حياة الشباب والمراهقين والأطفال، بما يُلقي عليها اليوم مسؤوليَّة غرس القِيَم والمبادئ الفاضلة في حياة الناشئة، وتعظيم مفهوم القِيَم في سلوك المُجتمع اليومي؛ إذ كلَّما اتسعت مسارات التقارب وتناغمت خيوط التواصل بين المدرسة والأُسرة والنادي الرياضي وجمعيَّات المرأة العُمانيَّة والفِرق الخيريَّة والمجالس البلديَّة ومؤسَّسات القطاع الخاص وغيرها من مؤسَّسات المُجتمع في تعظيم حضور القِيَم في حياة الفرد والمُجتمع وسلوك المؤسَّسة؛ كان ذلك إيذانًا بنقل القِيَم إلى الواقع وتجسيدها في الممارسة، لتصنعَ روحًا مُجتمعيَّة متآلفة ومتكاملة لتحقيق جودة الحياة وتطوير المُجتمع، وتهذيب الناشئة، وإضفاء طابع الكمال البشري في حياة المُجتمع، وتصبح هذه الجهود مساحة أمان لفتح نوافذ الأمل بالتغيير، وترقية السلوك وتهذيب الأخلاقيَّات وإعادة هندسة الذَّات، وبناء فِقه المسؤوليَّة وتعميق فرص البحث والاجتهاد في الوصول إلى سقف التوقُّعات، فأينما وُجدت القِيَم وُجدت معها حياة التعايش والوئام والتصالح مع الذَّات والآخر والتكيُّف مع الظروف والتحدِّيات والأزمات والجوائح، لما تمدُّه من حافز الصبر والقناعة والرضا والإيجابيَّة والعلم والعمل المخلص والروح السَّامية، واتسعت بسببها مساحات الأنس والتواصل واللقاء والاحترام؛ إذ تنتج مواطنًا استثنائيًّا يعي حقوقه ويدرك واجباته ومسؤوليَّاته نحو نفسه وأُسرته ومُجتمعه ووطنه والعالم أجمع، فيقف عند حدوده ويصنع في حضوره في ميدان التطبيق والممارسة فارق الأداء واستحقاقات المنافسة.

وعليه، فإن تجسيد مفهوم أعمق للشراكة في تأصيل القِيَم الأخلاقيَّة وإعادة إنتاجها في حاضرة المُجتمع بما يتناغم مع التحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة التي يشهدها مُجتمع سلطنة عُمان، مع المحافظة على الثابت القِيَمي وتمييزه من المتغير، بات يُلقي على منظومات الدولة ومؤسَّسات المُجتمع المَدني تَبنِّي سياسات مشتركة منبثقة من رؤية «عُمان 2040»، والأولويَّة الوطنيَّة «المواطنة والهُوِيَّة والتراث والثقافة الوطنيَّة»، في الحدِّ من تأثير المشوِّهات الفكريَّة والتناقضات في الممارسة والازدواجيَّة في السلوك، بالاستفادة من المشترك الأخلاقي الذي يجمعها في رسالة السلام والتعايش والوئام والتنمية وترقية الوعي الجمعي، وتحصين السلوك وحمايته من الشوائب والمشوِّهات والإشاعات وسقطات المروِّجين للدعاية والإعلانات، وتزويد الناشئة بمعزّزات إيجابيَّة في ثقافتها وفكرها ونهضة الوعي لديها، واضعًا جودة المحتوى المعرفي وتوازنه وانتقائه وانتفاء كل المشوِّهات السلبيَّة عنه محطَّة متجدِّدة في إعادة هندسة القِيَم وإنتاج بيئة الأخلاق وصناعة النماذج الإيجابيَّة في عالم الناشئة.

وبالتالي تصبح التشاركيَّة المنشودة في تعزيز القِيَم فرصة تقييميَّة لاستدامة الجهد، وإعادة النظر في القناعات المتولدة بشأنها، منطلقة من مرتكز الدِّين ومبادئه وشروطه في بناء منظومة قِيَميَّة صالحة لكل زمان ومكان، وتهيئة كل السُّبل لضمان مرونتها وسهولة انتقالها وممارستها في المُجتمع، وتأكيد عوامل الضبط والربط والحدود والمسؤوليَّات والثواب والعقاب المرتبطة بالممارسات السليمة للقِيَم، وتمكينها وتعزيز وجودها، والتحوُّل بها من مجرد ممارسة معتادة إلى التزام ونمط حياتي يتجاوز جانب الطقوس والممارسات الشكليَّة الزمانيَّة والمكانيَّة والبشريَّة إلى أن تصبح القِيَم ثقافة حياة ومنهج عمل وسلوك التنمية المستدامة وطريق التعايش الإنساني واستراحة الإنسان في علاج مُشْكلات الحياة والتجديد فيها، وابتكار أدوات جديدة لتوليدها وإعادة صياغتها في قالب حضاري يصنع لها الاهتمام والمتابعة والتطبيق من قبل الأفراد، متخذة من الرصد والتقييم والمتابعة ضماناتها للتطبيق السليم، فالمُجتمع القِيَمي مُجتمع إيجابي متعاون يتفاعل أفراده لتمكين الممارسة الأفضل التي تعبِّر عن اهتمامهم بمنظومة القِيَم وتفاعلهم مع موجِّهاتها بأُسلوب متَّزن وفي إطار تحكمه قوانين وأُطُر عمل وأهداف واضحة، بحيث لا يُترك موضوع القِيَم للمزاجيَّة والاختيار العشوائي.

ومع الاعتراف بحجم التغيير الذي أحدثته التقنيَّة والفضاءات المفتوحة في تشكيل شخصيَّة الناشئة وتأثيرها على منظومة القِيَم والأخلاقيَّات العُمانيَّة، وفي ظل غياب الكثير من المفردات والقِيَم والمفاهيم المتجدِّدة في حياة الأبناء، خصوصًا تلك المتعلقة بقِيَم الأجداد وحميميَّة التواصل معهم، والاقتراب من واقعهم والإنصات لحديثهم والجلوس في مجالسهم والإشباع من ضحكاتهم وأوصافهم وحكاياتهم، وتقريب صورة الزمن السابق وما فيه من أحداث لعالم أجيال اليوم، وتباين القناعات وتغاير مسارات التفكير حول الكثير من القضايا التي تهم جيل الشباب أو غيرهم، إلَّا أن ذلك لا ينبغي أن يكون مبررًا للانسحاب من المسؤوليَّة، بل فرصة لمزيدٍ من التوافقيَّة والاستشعار الجمعي المتبادل بين مُجتمع الكبار والصغار في تعظيم مفهوم القدوات والنماذج والتربية النقديَّة وبناء المسؤوليَّة الأخلاقيَّة، لذلك يبقى الرهان على الشباب في قدرته على خلق معادلة التوازن بين استخدامه للتقنيَّة، والتزامه بمعاييرها وبين وفائه لعاداته المُجتمعيَّة وقِيَمه الأُسريَّة وأولويَّاته الحياتيَّة مع الوالدين والأُسرة والأجداد والضيوف وغيرهم.

أخيرًا، يبقى الرهان الجمعي في نجاح جهود منظومات الدولة ومؤسَّساتها في تعظيم القِيَم في حياة الناشئة مرهونًا بكفاءة الأدوات وتقاسم المسؤوليَّات وتكامل الأُطُر وتفاعل الجهود، والصورة الذهنيَّة التي تصل إلى الأبناء حول القِيَم والأخلاق من خلال الأُسرة والمدرسة والرفاق وبرامج الإعلام، وإزالة فجوة التناقضات في المشهد اليومي للناشئة، الأمر الذي سيقلل من حاجز النفرة من القِيَم والسلبيَّة التي تلازم الناشئة عند الحديث عنها، والمفاهيم المغلوطة التي باتت تختزل القِيَم في مضامين الإعلانات التجاريَّة والدعاية والتناقضات في المنصَّات الاجتماعيَّة في افتقارها للموجِّهات القِيَميَّة والأخلاقيَّة المؤصلة للقِيَم والمفتقدة للضوابط.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]