الثلاثاء 14 يوليو 2026 م - 29 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين

إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين
الثلاثاء - 14 يوليو 2026 05:06 م

د.علي بن سالم السيفي

لماذا نغسل وجوهنا ونهتم بنظافة ملابسنا، ونعامل شوارعنا ومرافقنا كحاوية قمامة، وكأنَّ تراب الوطن لا يعنينا ومكب لنفايتنا؟! لهذا، يدرس عِلم النفس البيئي العلاقة التفاعليَّة بين الإنسان ومحيطه، ويفسر سلوك «الشخصيَّة المهملة في النظافة» بناءً على تركيبة من السِّمات النفسيَّة والتشوُّهات الإدراكيَّة والمؤثرات المحيطة، ولا ينبغي اتهام الإهمال «الكسل الفردي دائمًا» بل يرجع لآليَّات نفسيَّة أعمق، كتدنِّي يقظة الضمير والافتقار إلى المسؤوليَّة الأخلاقيَّة والانضباط الذَّاتي، وتضاؤل الشعور بالانتماء للبيئة والمُجتمع.

عندما سافرت مثلًا إلى دولة يغرق ترابها في النفايات؛ هل حافظت على رقيِّك البيئي، ومثَّلت وطنك أعظم تمثيل؟ أم أن عقلك الباطن استغل حالة المكان ليمنحك إذنًا نفسيًّا سريًّا لترمي مخلَّفاتك في الشارع دون أيِّ شعور بالذنْب؟ وعليه، تتبوأ قضيَّة الصحَّة البيئيَّة مكانة جوهريَّة بالغة الأهميَّة، لأنَّها قضيَّة أمن قومي وبقاء.

يصنِّف مؤشر الأداء البيئي العالمي (EPI) الدول بناءً على معايير علميَّة دقيقة، تشمل الصحَّة والنظام البيئي، فاحتلت فيتنام الأداء البيئي الأضعف من بين (180) دولة نتيجة للتراجع الحادِّ في حماية النُّظم البيئيَّة، وفي المقابل تصدرت إستونيا قائمة أفضل الدول نظافة واستدامة في العالم، وحققت سلطنة عُمان قفزة تاريخيَّة نوعيَّة في المؤشِّرات البيئيَّة، ومؤشِّرات النظافة ومكافحة التلوُّث على المستويين الإقليمي والعالمي، فجاءت في المرتبة الـ(55) عالميًّا، واحتلت المرتبة الثانية عربيًّا وخليجيًّا.

وتُشير الدراسات النفسيَّة والسلوكيَّة «عِلم النفس الشخصي» إلى أن سلوك الفرد اتجاه نظافة محيطه يعكس سِماته الشخصيَّة والنفسيَّة ومستوى نضجه الاجتماعي، وهناك اضطرابات سلوكيَّة مضادَّة للمُجتمع، فيميل البعض إلى تخريب الممتلكات وإلقاء النفايات عمدًا والتعدِّي على الحقوق في الطرقات، كنوع من الرفض لسُلطة القانون. ويرى علماء النفس أن السلوك السلبي وراءه دوافع نفسيَّة كاللامبالاة المغتربة، وهي حالة مَرضيَّة نفسيَّة، يرى الفرد نفسه أنه لا ينتمي لهذا المكان، وبالتالي لا يشعر بالولاء له. وطرح العالمان «جيمس وجورج» مبدأ «النوافذ المكسورة» كاستعارة مجازيَّة، فإذا تُرِكت نافذة مكسورة دون إصلاح، سيعتقد الناس أن المكان مهمل ولا أحَد يهتم به، ممَّا يشجِّع المارَّة على كسر بقيَّة النوافذ، ثم اقتحام المبنى لاحقًا. وهذا ما يحدُث كتطبيع للسلوك السلبي، وتحوَّل رمي النفايات في الشارع إلى فعل اعتيادي لعدم وجود إنكار مُجتمعي له.

وانطلاقًا من التأصيل الإيماني والفطري، ترجمت القوانين المنظِّمة للحياة العامَّة لمنظومة متكاملة، تتحول النظافة العامَّة وإدارة النفايات في المُجتمعات الحديثة من سلوك تطوُّعي لمنظومة متكاملة تربط بين أواصر الدِّين والانتماء والقانون لضمان استدامة البيئة العامَّة. ولأثر الجزاءات القانونيَّة على تهذيب النفس وتشكيل السلوك.

يُشير عِلم النفس السلوكي الجنائي إلى أن العقوبة لا تُعَدُّ مجرد أداة للقصاص، بل هي آليَّة تعليميَّة وضبطيَّة تهدف لتعديل الممارسات السلبيَّة. لذلك، ما رأيك في تسليم إدارة الشوارع والمتنزهات والشواطئ لشركات أمنيَّة عقابيَّة تتقاضى أرباحًا فوريَّة من نسبة المخالفات والغرامات التي تحررها ضد المستهترين؟.

تُعَدُّ سنغافورة عالميًّا الأكثر صرامة وفوريَّة في تنفيذ العقوبات؛ حيث تبلغ غرامة رمي القاذورات للمرَّة الأولى (2,000) دولار سنغافوري، (595) ريالًا عُمانيًّا، وتصل إلى (10,000) دولار سنغافوري للمخالفين المتكررين، وإلزامهم بـ»خدمة المُجتمع الإجباريَّة» لجمع القمامة في الشوارع وهم يرتدون زيًّا مميزًا، واليابان تعتمد على قوانين جنائيَّة؛ فإلقاء النفايات بشكل غير قانوني يؤدي إلى عقوبة السجن لمدَّة تصل إلى (5) سنوات، أو غرامة ماليَّة تصل إلى (10) ملايين ين ياباني، حوالي (25) ألف ريال عُماني، وتجربة اليابان تُمثِّل النموذج العالمي الأبرز في النظافة العامَّة، وتجربتها أدهشت العالم؛ فغياب سلال المهملات في الشوارع، والمواطن يظل حاملًا نفاياته معه طوال اليوم، ليقوم بفرزها والتخلص منها في منزله، وإذا أخطأ المواطن في فرز أكياسه، يرفض عمَّال النظافة استلامها ويضعون عليه «ملصقًا أحمر» يسبب إحراجًا اجتماعيًّا كبيرًا لصاحبه. ونظام «Oji» في المدارس، «التعليم بالعمل»، لا يوظّف عمَّال نظافة للفصول؛ حيث يخصص الطلاب والعاملون (20) دقيقة يوميًّا لتنظيف مرافق المدرسة؛ حيث يُعلِّم السلوك الأطفال التواضع والاعتماد على النفس. ولِمَا سبق، يقول ابن المقفع: «من أمن العقوبة أساء الأدب»؛ حيث صاغ العبارة لتعبِّرَ بوضوح عن نزعة النفس البشريَّة نحو التجاوز والتَّمادي عند غياب المحاسبة والردع، وأن التهاون مع أول ورقة تُلقى في الشارع يفتح الباب لتحويله إلى مكبٍّ عشوائي للنفايات. وكم من الدول تحرق مواردها بأموالها، وتدفنها تحت الأرض يوميًّا في المقابر البيئيَّة، بينما تبحث في الوقت نفسه عن المساعدات والقروض الخارجيَّة؟ ومع ذلك تُمثِّل النفايات في الفكر التقليدي عبئًا وتكلفة؛ حيث تتعامل المؤسَّسات الفاشلة مع النفايات كمُشْكلة يجب التخلص منها وهدر قِيمتها، فتستنزف الموارد الماليَّة، يرافقها رفع تكلفة النتائج البيئيَّة والصحيَّة. وهذه العمليَّة بمثابة إنفاق الأموال لجمع النفايات ثم حرقها ودفنها، يُشبه تمامًا سحب أصول الأموال من البنوك ورميها في البحر، ثم دفع رسوم إضافيَّة لمنظفي الشاطئ! وفي المقابل هناك التفكير الإبداعي والسياسات الناجحة في تحويل النفايات إلى موارد اقتصاديَّة تعضد البلاد. ويُشير عِلم النفس السلوكي الاقتصادي إلى أن المؤسَّسات الناجحة ترى في كل حاوية نفايات «منجمًا ذهبيًّا»؛ حيث يُمثِّل قطاع الفرز وإعادة التدوير، وهو من أكثر القطاعات توفيرًا للوظائف الخضراء للشباب والمؤسَّسات الصغيرة. وتُعَدُّ ألمانيا من أفضل دول العالم في إعادة تدوير النفايات، وتُحقق أعلى عائد اقتصادي واستدامة؛ حيث تتراوح معدلات التدوير إلى (70%) من إجمالي النفايات، ويعمل في قطاع النفايات أكثر من (400) ألف شركة، ممَّا يوفِّر مئات الآلاف من الوظائف، وبلُغة الأرقام يُمثِّل العائد العام لإجمالي قطاع جمع النفايات وإعادة التدوير، الاقتصاد الدائري، في ألمانيا حوالي (114) مليار دولار أميركي سنويًّا، (43.89) مليار ريال عُماني، ولِمَا سبق، ولتقليل الظاهرة، يتطلب شراكة حقيقيَّة تنقل المسؤوليَّة من الأوراق إلى الميدان، كما لا يمكن لجهة بِعَيْنِها النجاح دون تكامل أدوار المؤسَّسات والأفراد، وأن ندرك أن التعليم الناجح أساس نهضة الدول، وأن نتوقف عن تدريس النظافة كـ«شعار لطيف» ونبدأ بتطبيقها كمسألة أمن قومي وبقاء، والتعليم الذي لا يرسِّخ في الطالب المحافظة على مدرسته عليه إعادة صياغة أهدافه وغاياته، والتربية التي لا تتمكن من غرس قِيمة الشارع والانتماء للوطن عليها إعادة هيكلة منظومتها، وعلى المسؤولين التواجد في الميدان بدلًا من التنظير والكراسي والأقلام. وإعلان أن دور التعليم هي القاعدة التي ينطلق منها المُجتمع، ولنجاح التعليم علينا سدُّ الثغرات والتحدِّيات التي تواجه الواقع، والاعتراف بالمشكلات والسَّعي لحلِّها. وعلى المعنيين فرض جزاءات وعقوبات ماليَّة صارمة وتصاعديَّة على الأفراد والمنشآت التي تقوم برمي المخلَّفات وتسريب المياه في الشوارع، وتفعيل الذَّكاء الاصطناعي للتبليغ والمراقبة ورصد المخالفين وتوثيق التجاوزات، وتطبيق الشُّرطة البيئيَّة والدوريَّات الرقابيَّة، والتشهير بالمخالفين، وتحويل المخالفات إلى محاكم جزائيَّة فوريَّة يُبتُّ فيها؛ لأنَّها تمسُّ كيان الوطن، كما نرجو تطبيق برامج المنافسة المُجتمعيَّة بين الأحياء السكنيَّة في تعزيز روح التعاون وبناء مُجتمعات مترابطة ونظيفة، وتعزيز روح الولاء والانضباط.

د. علي بن سالم السيفي

كاتب عُماني