تطرَّقنا بالمقال السابق إلى عدَّة محاور حَوْل سِمات القائد المثالي، واليوم نعرِّج على أهمِّ السِّمات الجوهريَّة للقائد المثالي التي يعتمدها كثير من المدارس الأجنبيَّة، وخصوصًا البريطانيَّة منها؛ حيث تُعَدُّ الشهادة الأكاديميَّة، والخبرة العمليَّة والعلميَّة، وكثرة الحلقات والبحوث ذات الصِّلة، والثقافة الرَّقميَّة، ومهارة التخطيط استنادًا إلى إدارة الوقت ضمن الخطط التكتيكيَّة والاستراتيجيَّة، وضمن الأهداف المرسومة، وبعيدًا عن التخندق الشخصي والرؤية المحدودة بسبب حُب الأنا وديكتاتوريَّة القرار، وتُعَدُّ مفاهيم البروتوكول والإتيكيت الحكومي والاجتماعي من أهمِّ سِماته؛ حيث الهندام الخارجي، ومستوى نبرة الصوت، ولُغة الجسد، وفن المجاملة، وإدارة الحديث، والابتعاد عن المزح؛ لأنَّه يقلِّل من الكاريزما القياديَّة، بالإضافة إلى المتابعة اليوميَّة لجدول الأعمال وتقييم المنجز منه، وتجاوز العقبات برحابة صدر، وتشكيل فريق عمل متجانس وذي خبرات كفؤة ومتوازنة.
ومن السِّمات الضروريَّة أيضًا التسلُّح باستراتيجيَّات العلاقات الدوليَّة، والاعتماد الكلِّي على الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة، وتحقيق الرؤية المخطط لها، والانخراط في حلقات حديثة ضمن مبادئ الذَّكاء الاصطناعي ووسائل التواصل التكنولوجيَّة، وكذلك الاهتمام كثيرًا بالموازنات الماليَّة، وتطبيق مبدأ الحوافز والمكافآت الماليَّة للمتميزين والمُجيدين في عملهم.
لذلك، على المسؤول أن يتسلح بأخلاق رسولنا الكريم ودِيننا الحنيف، وأن يكون مستمعًا جيّدًا وذا قرار صائب، بعيدًا عن التعصب، والحقد والحسد، والطعن بالغير، والنفاق والتملُّق الإداري على حساب زملائه؛ لذلك تُعَدُّ كفاءة القائد المثالي استنادًا إلى جوهر التَّوجيهات الإسلاميَّة والأخلاقيَّة الرَّاقية، وأهمُّها ما يلي: ألَّا يسمع ولا ينصاع إلى القيل والقال من أشخاص حاقدين وغيورين على شخص كفء، ويختلقون وجهات نظر واجتهادات شخصيَّة غير صائبة. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات ـ 6)، وكذلك عليه أن يساند ويدعم الموظف والمواطن لكفاءته وتضحياته وإخلاصه، بعيدًا عن العلاقات الشخصيَّة والاجتماعيَّة.
قال الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه: «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق»، والإمام علي هو من مدرسة رسولنا الكريم؛ حيث قال النَّبي محمد (صلَّى الله عليه وسلَّم): «أنا مدينة العِلم وعلي بابها»، وهذا ما أكَّد عليه كثير من المدارس على سِمات القائد الأصيلة بعدم التعرض للرزق، وألَّا يأخذ قرارات تقطع رزق أو تقلِّل من شأن كفاءة ومنزلة ومنصب الموظف بأيِّ حجَّة دون وجْه حقٍّ إن لم تستند إلى أدلَّة واقعيَّة وقانونيَّة، وأتذكر أخي الشيخ أيمن الحوسني في إحدى المقابلات يقول: «خلال (15) سنة في الخدمة المدنيَّة و(12) سنة بمطارات عُمان، ولا مرَّة وقَّعت قرار إنهاء خدمة». هذه هي أخلاقنا الإسلاميَّة الأصيلة، وهذه هي سِمات القائد المثالي؛ لأنَّه مسؤول أمام الله، وأن أيَّ خطأ من الموظف، فمن واجب القائد النصيحة والتَّوجيه والوقوف معه ومساندته، وهذا ما يؤكِّد عليه جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في جميع خطبه السَّامية على ضرورة الاهتمام بالمواطن، وهذه هي فعلًا سِمات القائد المثاليَّة الرَّاقية، علينا جميعًا الاقتداء بها؛ لأنَّ فيها مخافة الله قَبل كلِّ شيء، وإن كان هذا المواطن أو الموظف قد تجاوز بعض التشريعات أو القوانين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حيث تتجلى رحابة الصدر والكرم الأصيل ودماثة الأخلاق في شخصيَّة جلالة السلطان المُفدَّى ـ أعزَّه الله ـ حيث يصدر العفو من المقام السَّامي في كل مناسبة وطنيَّة أو دينيَّة؛ ليجسِّدَ أسمى معاني التسامح والإنسانيَّة، وهذه هي أصالة الأخلاق ونُبل القيادة؛ إذ يدرك القائد أنَّه مسؤول أمام الله عن رعيَّته، فيحرص على العدل والرحمة، ويجعل من العفو قِيمة تعكس حكمته وسعة صدره.
الشهادة الجامعيَّة هي عبارة عن وثيقة يتمُّ تخصيص الدرجة الماليَّة لغرض التعيين وتحديد الراتب، ولكن كفاءة العمل، حسب ما تؤكِّد عليه المدارس البريطانيَّة، فهي نتاج من خلال الحلقات والخبرة والأخلاق العالية من قِبل القائد، الذي عليه قيادة دفَّة الإدارة بإتقان وإبداع.
في الختام، القائد المثالي هو مَن يجمع بين قوَّة الكاريزما أو الشخصيَّة، وأصالة وكرم الأخلاق، وبُعد النظر والرؤية السَّديدة، وكفاءة الإدارة، والقدرة على تشجيع فريق العمل لتحقيق الأهداف المشتركة، وتطوير ذاته بأحدث المعلومات، والتسلح بالثقافة العامَّة ومفاهيم البروتوكول والإتيكيت الحكومي والاجتماعي، والاهتمام بالموظف والكفاءات الموجودة تحت إمرته؛ لأنَّه مسؤول أمام الله عليهم. والابتعاد عن الانسياق وراء الموجات والاتجاهات في المجالات التي لا تمسُّ عمله أو مسؤوليَّاته، وأن يتجنب الإصغاء إلى القيل والقال أو الأخذ به، وأن يبتعد عن الحقد الشخصي أو الأُسري أو المذهبي لِمَا يفضي إليه ذلك من النفاق والنميمة وإثارة الفرقة، وهذا كلُّه يتعارض مع توجيهات دِيننا الحنيف الذي يدعو إلى الصِّدق وحُسن الخُلق، ووحدة الصَّف وحُب الآخرين.
د. سعدون بن حسين الحمداني
دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت