ليست كل الإنجازات مشاريع ضخمة أو مباني شاهقة أو ميزانيات كبيرة.
فهناك إنجازات هادئة، تبدأ بفكرة بسيطة، لكنها تترك أثرًا عميقًا في النفوس، وتغير ثقافة العمل، وتجعل بيئة الوظيفة أكثر دفئًا وإنسانية.
خلال تقديمي دورة استراتيجيات التحفيز الذاتي وإدارة ضغوط العمل، طلبت من المشاركين أن يعملوا في مجموعات، وأن يبتكر كل فريق مشروعًا عمليًّا يعزز التحفيز الذاتي داخل مؤسساتهم، وكان المطلوب أن تنطلق الأفكار من واقع الموظفين، وأن تكون سهلة التطبيق، قليلة التكلفة، لكنها ذات أثر ملموس في رفع الروح المعنوية وتعزيز العلاقات بين العاملين.
انطلقت جلسات العصف الذهني، وبدأت المجموعات تتبادل الأفكار والخبرات، وبعد انتهاء العروض، استوقفتني مبادرة مميزة قدمتها إحدى الفرق؛ لما امتازت به من بساطة وذكاء، ولأنها تلامس حاجة إنسانية عميقة؛ حاجة الإنسان إلى أن يشعر بأنه محل تقدير.
تقوم الفكرة على كتابة أسماء جميع موظفي الدائرة في قصاصات ورقية توضع داخل صندوق صغير، وفي صباح كل يوم أربعاء، يسحب كل موظف اسم أحد زملائه، ويصبح مسؤولًا عن تقديم لفتة جميلة له قبل نهاية اليوم، دون أن يخبره بأنه صاحب الهدية، حتى تبقى المفاجأة حاضرة، ويظل الجميع في حالة ترقب وبهجة.
ولم يكن المقصود بالهدية شيئًا ثمينًا، بل أي تعبير صادق عن التقدير، فقد تكون قطعة شوكولاتة، أو قلمًا، أو كتابًا صغيرًا، أو بطاقة شكر، أو دعاءً جميلًا، أو رسالة تشجيع تُترك على المكتب قبل حضور صاحبها.
لكن أكثر المواقف تأثيرًا وطرافة كان ما قام به أحد الموظفين، فقد وضع داخل ظرف أنيق مرآة صغيرة، وأرفق معها عبارة قصيرة تقول:
«أنت أفضل موظف في العالم… انظر إلى المرآة».
عندما فتح زميله الظرف، ابتسم من أعماقه، ثم ضحك كل من حوله، لم تكن المرآة مجرد هدية، بل كانت رسالة نفسية رقيقة تقول له: لا تبحث دائمًا عن التقدير في الخارج، فأنت تستحقه، وقيمتك أكبر مما تتصور.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت المرآة حديث الموظفين، وأصبحت المبادرة كلها مناسبة أسبوعية ينتظرها الجميع بشغف، لم يعودوا ينتظرون قيمة الهدية، بل ينتظرون الشعور الجميل الذي تمنحه تلك اللفتات الإنسانية البسيطة، ومع مرور الأسابيع، ازدادت الألفة بينهم، وخفت حدة ضغوط العمل، وأصبحت الابتسامة جزءًا من ثقافة المكان.
لقد علمتني هذه المبادرة أن التحفيز ليس دائمًا قرارًا إداريًّا، ولا حافزًا ماليًّا، بل قد يكون كلمة صادقة في الوقت المناسب، أو رسالة امتنان، أو لفتة إنسانية تجعل الموظف يشعر بأنه مرئي ومقدر، فالإنسان يبذل أفضل ما لديه عندما يعمل في بيئة يشعر فيها بالاحترام والانتماء.
كما أكدت لي أن المؤسسات الناجحة لا تبني أنظمة عمل قوية فحسب، بل تبني علاقات إنسانية قوية أيضًا، فالإنجاز الحقيقي يبدأ عندما يشعر كل فرد أن نجاح زميله يسعده، وأن إدخال السرور على الآخرين جزء من نجاحه الشخصي.
إننا لا نحتاج دائمًا إلى ميزانيات ضخمة لنرفع مستوى الرضا الوظيفي، وإنما نحتاج إلى ثقافة تقدّر الإنسان قبل أن تقدّر الأداء، وتحتفي بالعطاء قبل أن تحاسب على التقصير، وتؤمن بأن أجمل الهدايا ليست أغلاها ثمنًا، بل أصدقها أثرًا.
ولعل أجمل ما خرجت به من هذه التجربة أن كل إنسان يحتاج إلى مرآة، لا ليرى ملامحه، بل ليرى قيمته في عيون من يعملون معه، فالكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والهدية البسيطة، ورسالة التقدير.. كلها مرايا تعكس أجمل ما في الإنسان.
هذا هو الإنجاز الذي يستحق أن يُروى… أن نصنع في مؤسساتنا «مرايا للتقدير»، يرى فيها كل موظف قيمته، فيزداد عطاءً، ويزداد انتماءً، ويصبح نجاح المؤسسة نجاحًا يفتخر بأنه كان جزءًا من صناعته.
د ـ أحمد بن علي المعشني
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية