الثلاثاء 14 يوليو 2026 م - 29 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : ريادة الأعمال جزء من منظومة الإنتاج الوطني

الاثنين - 13 يوليو 2026 05:11 م

رأي الوطن

20

تكتسب منظومة الأمن الغذائي في الدول الحديثة أبعادًا اقتصاديَّة تتجاوز توفير السلع الأساسيَّة؛ لأنَّها ترتبط بقدرة الاقتصاد على بناء قاعدة إنتاجيَّة مستقرَّة، ورفع مرونة الأسواق، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإيجاد فرص استثماريَّة قادرة على الاستمرار. ولهذا تتَّجه السياسات الاقتصاديَّة في كثير من دول العالم نحو إشراك القطاع الخاص في تحقيق هذا الهدف، مع منح المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة مساحة أكبر للمشاركة في مختلف الأنشطة المرتبطة بالإنتاج والتصنيع والتخزين والتوزيع والخدمات المساندة. وفي هذا الإطار تبرز الجلسة الحواريَّة التي نظَّمتها هيئة تنمية المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة بالتعاون مع وزارة الثروة الزراعيَّة والسمكيَّة وموارد المياه بوصفها محطَّة مهمَّة تظهر اتجاهًا وطنيًّا يقوم على توسيع دائرة المشاركة الاقتصاديَّة، ودعم التكامل بين الجهات الحكوميَّة وروَّاد الأعمال، وتطوير بيئة الأعمال في واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي، وهو توجُّه ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» التي وضعت التنويع الاقتصادي، وتمكين القطاع الخاص، وتعزيز الأمن الغذائي ضمن أولويَّات المرحلة المقبلة.

ولعلَّ الأرقام التي استعرضتها الجلسة تمنح صورة واضحة عن حجم التحوُّل الذي يشهده هذا القطاع؛ إذ إنَّ وجود (39) ألفًا و(973) مؤسَّسة صغيرة ومتوسطة تعمل في أنشطة الأمن الغذائي يكشف عن اتساع القاعدة الاقتصاديَّة التي باتت تُسهم في دعم هذا الملف الحيوي، كما أنَّ تسجيل (32) ألفًا و(537) مؤسَّسة صغرى يعكس قدرة القطاع على استيعاب المبادرات الفرديَّة والمشروعات الناشئة، ويؤكِّد أن فرص الاستثمار أصبحت متاحة أمام شرائح واسعة من روَّاد الأعمال، بينما يشير وجود (7) آلاف و(54) مؤسَّسة صغيرة و(382) مؤسَّسة متوسطة إلى أنَّ كثيرًا من هذه المشروعات ينجح في الانتقال إلى مراحل أكثر تقدُّمًا من النُّمو، وهو ما يخلق شركات وطنيَّة تمتلك خبرات تراكميَّة وقدرات تشغيليَّة أكبر، وتصبح عنصرًا فاعلًا في سلاسل القِيمة المحليَّة. ويظهر أيضًا أنَّ حصول (10) آلاف و(703) مؤسَّسات على بطاقة «ريادة» يعكس حجم الاستفادة من برامج الدَّعم والتَّمكين، ويؤكِّد نجاح السياسات الحكوميَّة في تشجيع المواطنين على دخول قطاعات إنتاجيَّة تمتلك طلبًا متزايدًا وآفاقًا استثماريَّة واعدة.

إنَّ القِيمة الحقيقيَّة لهذه الجلسات الحواريَّة تكمن في تحويل الحوار إلى أداة لتطوير السياسات الاقتصاديَّة، فالتشريعات تصبح أكثر كفاءة عندما تُبنى على احتياجات المستثمرين، والحوافز تُحقق نتائج أفضل عندما ترتبط بالتحدِّيات الواقعيَّة التي تواجه أصحاب المؤسَّسات. كما أنَّ تطوير منظومة التراخيص، وتوسيع الممكنات، ودعم فرص التمويل والاستثمار، يرفع من قدرة المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة على المنافسة والنُّمو، ويزيد مساهمتها في الناتج المحلِّي الإجمالي، ويرسِّخ حضورها في القطاعات ذات الأولويَّة الوطنيَّة، ويؤدي هذا النهج إلى ترسيخ الثقة بين القطاعين العام والخاص، ويفتح المجال أمام حلول أكثر مرونة، ويمنح روَّاد الأعمال فرصة للمشاركة في صياغة بيئة أعمال تستجيب لمتطلبات التنمية الاقتصاديَّة، وتدعم استدامة المشروعات الوطنيَّة.

إنَّ الاستثمار في المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع الأمن الغذائي يُمثِّل استثمارًا في استقرار الاقتصاد العُماني؛ لأنَّ هذه المؤسَّسات تؤدِّي دورًا يتجاوز النشاط التجاري إلى بناء منظومة إنتاج وطنيَّة أكثر تنوعًا، وتوسيع قاعدة التصنيع الغذائي، وتنشيط القطاعات الزراعيَّة والسمكيَّة، وتحفيز الصناعات التحويليَّة والخدمات اللوجستيَّة، وزيادة القِيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، وكل مشروع جديد يدخل هذا القطاع يضيف فرصة عمل، ويرفع حجم الإنتاج المحلِّي، ويُعزِّز مرونة السوق، ويزيد قدرة السلطنة على مواجهة المتغيِّرات الإقليميَّة والدوليَّة بثقة أكبر، ومع استمرار تطوير التشريعات، وتوسيع الحوافز، وتعزيز الشراكة بين مختلف الجهات، يواصل قطاع الأمن الغذائي ترسيخ مكانته كأحَد أهمِّ محركات التنويع الاقتصادي، وأحَد المسارات التي تدعم الاستدامة الاقتصاديَّة، وتدعم بناء اقتصاد وطني أكثر قدرة على النُّمو، وأكثر قدرة على المنافسة في اقتصاد عالمي يقوم على الإنتاج والكفاءة واستدامة الموارد.