الثلاثاء 14 يوليو 2026 م - 29 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

التبرع بالأعضاء رحمة لا تنقطع!

التبرع بالأعضاء رحمة لا تنقطع!
الاثنين - 13 يوليو 2026 05:10 م

د. يوسف بن علي الملَّا

10

قد لاحظنا كأفراد كيف يخيم ذلك الصمت في غرفة ذلك المريض في وحدة العناية المركزة وأسرته من حوله، وذلك في الدقائق التي تلي نطق عبارة (موت الدماغ). وما أدهشني أكثر من غيره لم يكن الحزن ذاته في تلك اللحظة!. صحيح بأنه شعور لا تخطئه العين، بل ما قد يعقبه أحيانًا! فأم تسأل، وفي اللحظة ذاتها التي يغلبها فيها البكاء، عما إذا كانت كليتا ابنها لا تزالان قادرتين على مساعدة شخص آخر. ففي تلك اللحظة الهشة التي ربما تفوق قدرة المرء على الاحتمال، يلتقي الحزن والإيمان - ان استطعت القول - دون أي تعارض، ويتحول ذلك إلى التوقيع على نموذج التبرع بالأعضاء إلى ما يشبه عملًا أخيرًا من أعمال الرحمة، وليس فقط مجرد اجراء روتيني!.

بطبيعة الحال، لا يزال النقاش حول التبرع بالأعضاء مشوبًا بنوع من التردد الخفي الذي لا يعود سببه إلى تحريم ديني، بل إلى عدم الألفة بالأمر. وبالرغم من أن المذاهب الفقهية أقرّت بأن التبرع سواء كان بعد الوفاة الدماغية أو من متبرع حي مع مراعاة شروط صارمة تتعلق بالموافقة والسلامة أمر جائز. ومع ذلك، فإن الإقرار بالجواز نظريًّا شيء، والشعور بالاطمئنان عند الممارسة الفعلية شيء آخر. واجزم هنا ان رفض العائلات قد لا يكون نابعًا من قناعة دينية، وإنما يرفضون لأن أحدًا لم يناقشهم في الأمر مسبقًا وفي لحظة هدوء ،وقبل وقت طويل من أن تفرض عليهم أروقة المستشفيات مواجهة هذا السؤال .

من ناحية أخرى، سجلت أحدث البيانات الصادرة عن المرصد العالمي للتبرع وزراعة الأعضاء التابع لمنظمة الصحة العالمية ما يقرب من مائة وثلاثة وسبعين ألف عملية زراعة للأعضاء الصلبة حول العالم في عام ٢٠٢٤ ميلادية، وهو أعلى رقم سجل حتى الآن .وبالتالي هذا دليل على اتساع نطاق الاعتماد على التبرع بالأعضاء بعد توقف الدورة الدموية (الوفاة القلبية)، وهي ممارسة باتت تمثل الآن ما يقرب من ثلث إجمالي حالات التبرع من المتوفين عالميًّا.

وعليه ومن منظور شخصي ، وصلت لقناعه مفادها أن المشكلة لا تكمن في غياب الرغبة، بل في التوقيت! خصوصًا وأن مطالبة عائلة مكلومة باتخاذ قرار لا رجعة فيه بشأن جسد أحد أحبائها، وذلك في غضون ساعات قليلة تلي أسوأ لحظة في حياتهم، هو أمر يفوق طاقة أي إنسان، بغض النظر عن معتقداته. ومن واقع خبرتي، فإن العائلات التي تبدي موافقة فورية وسلسة هي تلك التي سبق للمتوفى فيها أن أشار إلى الأمر ولو لمرة واحدة عابرة أثناء تناول العشاء - مثلًا - بحيث لم يكن القرار المتخذ في المستشفى قرارًا جديدًا بالمعنى الحرفي، بل كان استكمالًا لأمر معلوم مسبقًا من قِبَل الشخص الذي رحل، ولهذا السبب أرى بأن أجدى ما يمكن للطبيب فعله ليس انتظار وقوع الأزمة لشرح موضوع التبرع، بل جعل الحديث عنه أمرًا مألوفًا قبل ذلك بكثير سواء في العيادات، أو المحاضرات العامة والتي تبدو فيها فكرة الموت أمرًا بعيدًا.

ومن هنا اصبح من المهم بمكان ادراك أن عمليات زراعة الأعضاء اليوم ممارسة علاجية أفضل مما كانت عليه قبل فترة من الزمان، فقد باتت فترات حفظ الأعضاء خارج الجسم أطول، وأصبح التحكم في حالات رفض الجسم للعضو المزروع أكثر فاعلية، كما أن الكلية أو الكبد تمنح المتلقي الآن عقودا من الحياة بدلًا من سنوات معدودة. ولعلها أضحت الآن ضربًا من الصدقة الجارية التي يستمر أجرها وثوابها عند الله الذي خلقها بالأصل!.

ختامًا، الحديث عن التبرع بالأعضاء يندرج ضمن قائمة المحادثات الصعبة الأخرى التي يجب على الأفراد ان يدركوها. خصوصًا وأنه يضع الأسرة أمام تحدي إيجاد معنى للفقد في اللحظة ذاتها التي يسأل عن فرص التبرع بالاعضاء ومع ذلك، ربما يمكن إيجاد معنى حقيقي ندرك معه بأن الحزن والكرم ليسا نقيضين، وأنه في مكان ما داخل المستشفى ، سيتخذ قرار - لله تعالى - خالصًا لوجهه الكريم ــ ليمنح شخصًا آخر فرصة الاستيقاظ في اليوم التالي!.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]