هناك أخبار اقتصاديَّة أقرؤها ثم أنتقل إلى غيرها، وهناك أخبار تجعلني أتوقف طويلًا؛ لأنني أشعر أن ما تخفيه بين سطورها أكبر مما تقوله عناوينها، فمنذ سنوات أصبحتُ أتعامل مع الأخبار الاقتصاديَّة بطريقة مختلفة، فلا أتوقفُ عند الرقم، وإنما أبحث عما يقف خلفه؛ لأن كل رقم يحمل قصَّة، وكل مؤشر يعكس حركة داخل الاقتصاد قد لا يلاحظها كثيرون. وكان خبر بورصة مسقط واحدًا من هذه الأخبار، فلم يشدني الحديث عن استكمال الاستراتيجيَّة أو نمو التداول بقدر ما شدَّني المعنى الذي يحمله ذلك كله. هناك كثيرون ينظرون إلى البورصة باعتبارها سوقًا للأسهم، أمَّا أنا فأراها مرآة للاقتصاد؛ لأن حركة الأسهم تبدأ من داخل المصانع، والشركات، والموانئ، ومواقع الإنتاج، قبل أن تظهر على شاشات التداول. وكلَّما تحرك الاقتصاد في الاتجاه الصحيح انعكس ذلك على السوق، ولهذا أجد أن متابعة البورصة تمنحنا فرصة لقراءة الاقتصاد من زاوية مختلفة، وربما أكثر عمقًا من الاكتفاء بالأرقام المجردة.
في البداية أوَدُّ أن أشير إلى أن وجهة نظري لا تنبع من كوني متخصصًا، لكن خبرات العمل في الصحافة الاقتصاديَّة ولدت لديَّ بعض الخبرة، لذا أرى أن السهم يُمثِّل شركة تنتج، ومصنعًا يعمل، وإدارة تخطط، واستثمارات تبحث عن فرص جديدة للنمو، وكلَّما ارتفعت القِيمة السوقيَّة للشركات على أُسس اقتصاديَّة سليمة، ازدادت قدرتها على الحصول على التمويل، والتوسُّع في خطوط الإنتاج، ورفع كفاءة عمليَّاتها، والاستثمار في التقنيَّات الحديثة، وهو ما ينعكس على الاقتصاد من خلال توفير فرص العمل، وتنشيط حركة الموردين، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص، ورفع تنافسيَّة المنتج الوطني، وهذه النتائج لا تصنعها البورصة وحدها، وإنما تقف خلفها منظومة اقتصاديَّة متكاملة تقودها سلطنة عُمان بقيادة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ ويتابع تنفيذها صاحب السُّمو السَّيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصاديَّة عبر تكامل الأدوار بين جهاز الاستثمار العُماني، ووزارة الماليَّة، ووزارة الاقتصاد، ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وبقيَّة المؤسَّسات الاقتصاديَّة، وهو تكامل أصبحت ثماره واضحة في مختلف المؤشرات الاقتصاديَّة، وجاء أداء بورصة مسقط أحد أبرز انعكاساته.
إن الأرقام التي أعلنتها بورصة مسقط تُعزِّز هذه القناعة لديَّ، فقد ارتفعت القِيمة السوقيَّة للشركات المدرجة من نحو (20) بالمئة من الناتج المحلِّي الإجمالي إلى (38) بالمئة، مع توقعات بوصولها إلى نحو (40) بالمئة بعد الإدراجات المرتقبة، كما ارتفع متوسط التداول اليومي من أقل من مليوني ريال عُماني إلى نحو (60) مليون ريال يوميًّا، أي ما يعادل نموًّا بلغ ثلاثين ضعفًا منذ بداية تنفيذ الاستراتيجيَّة، وارتفع عدد الشركات التي تتجاوز قِيمتها السوقيَّة مئة مليون ريال من (14) شركة إلى أكثر من (29) شركة، هذه الأرقام تُمثِّل نجاحًا لسوق المال، وتعكس اقتصادًا يزداد عمقًا، وشركات أصبحت أكثر قدرة على النمو، وبيئة استثماريَّة نجحت في جذب اهتمام المستثمرين المحلِّيين والدوليين، حتى إن طبيعة الأسئلة التي يطرحها المستثمرون تحولت من التعرف على السوق إلى الاستفسار عن آليَّات الاستثمار وفتح الحسابات، وهي رسالة تحمل دلالة مهمَّة على المكانة التي وصلت إليها بورصة مسقط، ومدى الثقة في الاقتصاد الوطني.
أكثر ما أعجبني في الخبر أن بورصة مسقط بدأت إعداد استراتيجيَّتها الجديدة قبل أن تنتهي من تنفيذ الاستراتيجيَّة الحاليَّة، فهذا النوع من التفكير يمنحني انطباعًا بأن التخطيط للمستقبل أصبح ثقافة مؤسَّسيَّة. وفي تقديري، فإن استشراف المستقبل البعيد أصبح نهجًا راسخًا أرسته قيادة حضرة صاحب الجلالة عاهل البلاد المُفدَّى، منذ تولِّيه مقاليد الحكم، حيث أصبحت المؤسَّسات تعمل وفق رؤى تمتد لسنوات، وتبني قراراتها على الاستدامة، ورفع التنافسيَّة، وتعظيم القِيمة المضافة، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الفلسفة على مؤسَّسات الدولة الاقتصاديَّة، فتواصل التخطيط وهي تحقق الإنجاز، وتبدأ مرحلة جديدة قبل انتهاء المرحلة التي تسبقها، ولهذا أرى أن بورصة مسقط تعكس قصَّة اقتصاد يواصل بناء نفسه بثبات، ويمنح المستثمرين رسائل ثقة، ويؤكِّد أن سلطنة عُمان تمضي بخطوات واثقة نحو اقتصاد أكثر تنوعًا، وأكثر جاذبيَّة، وأكثر قدرة على صناعة الفرص.
إبراهيم بدوي