الأحد 12 يوليو 2026 م - 27 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

الإرهاب.. تهديدات وجودية ومخاطر حدودية

الإرهاب.. تهديدات وجودية ومخاطر حدودية
الأحد - 12 يوليو 2026 05:10 م

محمد بن سعيد الفطيسي

10

لا شك أن الإرهاب ليس فردًا أو تنظيمًا بقدر ما هو فكر إجرامي يهدف إلى نشر الخوف والرعب لتحقيق غايات معيَّنة. وعندما نؤكِّد أنه لا يقتصر على أفراد أو تنظيمات فإننا نشير إلى وجود دول تعمل على استغلال الإرهاب أو حتى ممارسته بواسطة وكلاء أو عبر المناطق الرماديَّة حول العالم، أو من خلالها بشكل مباشر فيما يُطلق عليه إرهاب الدولة، وما أكثرها عبر أدوات السياسة والتدخل في الشؤون الداخليَّة للدول.

وما يؤسف له أن تضارب المصالح الدوليَّة، ووجود طموحات لدى بعض الفاعلين الدوليين الصغار دفع تلك الفواعل الأساسيَّة إلى التعاون غير المباشر مع التنظيمات الإرهابيَّة؛ ممَّا فاقمَ مُشْكلة الإرهاب وأضعف بشكل كبير من قدرات الدول على التنسيق والتعاون بهدف الحدِّ منه واحتوائه.

على العموم، فإنّ الإرهاب لن ينتهي من العالم لارتباطه بالإنسان وأطماعه، وارتباطه بسلوكيَّات سياسيَّة وأمنيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة، وبالأنظمة السياسيَّة التي تتخذ من الدكتاتوريَّة والتسلُّط أسلوبًا في ممارسة العمليَّة السياسيَّة الوطنيَّة، قائمًا على السّخط والامتعاض والفقر وسوء توزيع الثروات بين الأفراد من قِبل الحكومات التي تعتقد أن قوَّتها الأمنيَّة يمكن أن تحميها من غضب شعبها أو انفلات أحد أبنائها وتحوُّله إلى الإرهاب.

وكما ندعو إلى تضييق الخناق على هذا الخطر الذي يهدِّد البشريَّة بالدمار والفوضى ـ أقصد الإرهاب ـ فإن الحكومات مطالبة هي الأخرى بذلك التقارب مع أبنائها كأسلوب من أساليب مكافحة الإرهاب. ويضاف إلى ما سبق أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تتحقق عبر أساليب أمنيَّة إرهابيَّة أو متطرفة، وفي جميع مراحل مكافحة الإرهاب، سواء في مرحلة البحث والاستدلال أو التحقيق الابتدائي أو النهائي، وحتى في تلك المرحلة التي يتم فيها إيقاع العقوبة على المجرم الإرهابي، وأضيف إلى ما سبق أهميَّة المراحل الوقائيَّة وتلك الإصلاحيَّة.

على المستوى الدولي الموضوعي، فإنّ عودة الإرهاب من جديد للضرب والتخريب في مناطق محدَّدة من العالم ـ رغم التأكيد أنه لم يتوقف أصلًا ـ تشير إلى رغبة تلك التنظيمات المتطرفة في نشر الفوضى والتطرف والعنف في تلك المناطق المهمَّة. ويضاف إلى ما سبق أن عودة الإرهاب في مناطق جغرافيَّة أخرى تعني إيجاد مناطق نفوذ وانطلاق، خصوصًا أن نفوذ تلك التنظيمات قد تقلص كثيرًا ظاهريًّا في العديد من البقع الجغرافيَّة الدوليَّة.

ولا بُدَّ من التأكيد أن محاربة الإرهاب في دولة تفيد كثيرًا في تقليص الإرهاب العالمي، ما يعني من ناحية ثانية أن كل إجراء منفرد أو جماعي في مكافحة الإرهاب يقلِّص هذا التهديد بدرجة كبيرة للغاية، الأمر الذي يؤكِّد من جانب ثالث ضرورة وأهميَّة التعاون الدولي حيال مكافحة الإرهاب، وعدم الانجراف إلى التفكير القائم على تضخيم القوَّة الفرديَّة أو الإمكانات المؤسَّساتيَّة؛ فالإرهاب ليس فردًا أو تنظيمًا ـ كما قُلْنا ـ بل هو فكر لا بُدَّ من تفكيكه ثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وهكذا.

دولنا العربيَّة والإسلاميَّة العزيزة التي تعرضت لهذا الخطر في عام (2026م)، مثل المغرب وسوريا والعراق والصومال وباكستان على سبيل المثال لا الحصر، والتي نجحت ـ بفضل الله وحفظه ـ في تفكيك خلايا الإرهاب، دليل واضح على أن هذا الوباء لم ينتهِ. كما أن استحضار التطور التكنولوجي والأدوات المتطورة التي تم ضبطها في هذه العمليَّات وغيرها دليل واضح على تطوُّر الاستراتيجيَّات الإرهابيَّة، بالإضافة إلى تطوُّر إمكانات تلك التنظيمات واستغلالها للتكنولوجيا في عمليَّاتها الإرهابيَّة، خصوصًا تلك الأدوات التي يُستخدم فيها الفضاء الرَّقمي المتطرف والذَّكاء الصناعي، ومن غير المستبعد أبدًا التحوُّل نحو أساليب وأدوات أكثر عنفًا خلال الفترة القادمة.

ختامًا، هذا المقال مجرد دق لناقوس خطر، وأن خطر الإرهاب مستمر، وأن القراءة الاستراتيجيَّة حياله، خصوصًا مؤشِّر الإرهاب العالمي لعام (2026م)، تؤكِّد، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن جميع دول العالم بلا استثناء معرضة لهذا الوباء، الأمر الذي يدفع إلى رفع مؤشِّر التهديد والخطر خلال عام (2027م). ومن وجهة نظري الشخصيَّة، سترتفع تهديدات الإرهاب خلال العام القادم بشكل أكبر، وسيكون لنا قراءة قادمة حول ذلك إن شاء الله.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @