الأحد 12 يوليو 2026 م - 27 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : استثمار يربط جودة الحياة بالنمو الاقتصادي

الأحد - 12 يوليو 2026 05:13 م

رأي الوطن

10

أصبحت المنظومة الصحيَّة في الدول الحديثة أحَد أهمِّ المؤشِّرات التي تعكس جودة التنمية وقدرة الاقتصاد على الاستمرار؛ لأنَّ الاستثمار في هذا القطاع يتجاوز بناء المستشفيات وتوفير الخدمات العلاجيَّة إلى تأسيس بيئة اقتصاديَّة أكثر استقرارًا، ومُجتمع أكثر إنتاجيَّة، وقدرة أكبر على استيعاب متطلبات المستقبل. ومن هذا المنطلق، تكتسب الحزمة الجديدة من الفرص الاستثماريَّة التي طرحتها وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، بالتعاون مع وزارة الصحَّة والهيئة العامَّة للمناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة، أهميَّة تتجاوز قِيمتها الاستثماريَّة البالغة نحو (16) مليون ريال عُماني، لأنها تعكس توجُّهًا وطنيًا واضحًا نحو تحويل القطاع الصحي إلى أحَد محركات التنمية الاقتصاديَّة، وربط احتياجات المُجتمع بالفرص الاستثماريَّة، وتوجيه رؤوس الأموال إلى قطاعات تمتلك طلبًا متزايدًا وقِيمة مضافة عالية، وهو توجُّه ينسجم مع رؤية «عُمان 2040» التي وضعت الإنسان في قلب عمليَّة التنمية، وجعلت التنويع الاقتصادي هدفًا رئيسًا لبناء اقتصاد أكثر استدامة وتنافسيَّة.

ولعلَّ ما يميِّز هذه الحزمة أنَّها لم تقتصر على مشروع واحد أو نشاط محدَّد، وإنَّما جاءت موزَّعة على حلقات متكاملة داخل المنظومة الصحيَّة، تبدأ بالوقاية عبر إنشاء مركز متخصِّص للكشف المبكر في ولاية بوشر، وتمرُّ بخدمات التأهيل الطبِّي من خلال إنشاء مستشفى متخصِّص بمحافظة مسقط، وتمتدُّ إلى التصنيع الطبِّي عبر مشروعات إنتاج سائل جلوكونات الكلورهيكسيدين والشاش المغمور بالبرافين في المنطقتين الحرَّتين بصلالة وصحار. ويعكس هذا التنوع قراءة دقيقة لاحتياجات القطاع الصحِّي خلال المرحلة المقبلة. فالكشف المبكر يقلِّل الأعباء العلاجيَّة ويرفع فرص التعافي، وخدمات التأهيل أصبحت ضرورة مع تزايد الحاجة إلى الرعاية المتخصِّصة، بينما يُمثِّل التصنيع الطبِّي ركيزة أساسيَّة لتعزيز الأمن الصحِّي، وتوفير مستلزمات الرعاية بجودة عالية داخل السوق المحليَّة، مع فتحِ آفاقٍ أوسع للتصدير، والاستفادة من الموقع الجغرافي الذي تتمتع به سلطنة عُمان.

ويحمل التوسُّع في الصناعات الطبيَّة دلالات اقتصاديَّة تتجاوز حدود القطاع الصحِّي؛ لأنَّ هذا النَّوع من الصناعات ينتمي إلى الأنشطة ذات القِيمة المضافة العالية، ويعتمد على المعرفة والتقنيَّات الحديثة، ويخلق فرصًا نوعيَّة للكوادر الوطنيَّة. كما يُسهم في بناء سلاسل إمداد أكثر استقرارًا، ويحدُّ من الاعتماد على الواردات في المنتجات الطبيَّة الأساسيَّة، وهو ما برزت أهميَّته عالميًّا خلال السنوات الماضية. أضفْ إلى ذلك أنَّ اختيار إقامة هذه المشروعات داخل المناطق الحُرَّة يمنحها مزايا تنافسيَّة إضافيَّة، ويُعزِّز قدرة المنتجات العُمانيَّة على الوصول إلى الأسواق الإقليميَّة، ويجعل الاستثمار الصحِّي جزءًا من منظومة صناعيَّة ولوجستيَّة متكاملة، ترتبط بالموانئ والمناطق الاقتصاديَّة وشبكات التصدير، وهو ما يعكس تطورًا في فلسفة التخطيط الاقتصادي التي أصبحت تنظر إلى القطاعات المختلفة باعتبارها منظومة مترابطة تخدم أهدافًا وطنيَّة مشتركة.

إنَّ نجاح هذه المبادرة يؤكِّد أنَّ الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص أصبحت خيارًا استراتيجيًّا لتطوير الخدمات الصحيَّة، وتعزيز كفاءة الإنفاق، واستقطاب التقنيَّات الحديثة، ونقل الخبرات. كما يعكس مستوى التنسيق بين الجهات الحكوميَّة في إعداد فرص استثماريَّة جاهزة تستند إلى احتياجات حقيقيَّة للسوق ودراسات قطاعيَّة واضحة، وهو ما يمنح المستثمرين قدرًا أكبر من الثقة والوضوح عند اتخاذ القرار، إلى جانب أنَّ استمرار تطوير مثل هذه الفرص النوعيَّة يُعزِّز مكانة سلطنة عُمان كوجهة جاذبة للاستثمار في الرعاية الصحيَّة والصناعات الطبيَّة، ويدعم جهود التنويع الاقتصادي، ويرفع جودة الخدمات المقدَّمة للمُجتمع، ويؤسِّس لاقتصاد صحِّي متكامل يجمع بين الوقاية والعلاج والتأهيل والتصنيع والابتكار، بما يرسِّخ مَسيرة التنمية المستدامة، ويمنح القطاع الصحِّي دورًا أكبر في دعم الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة.