الأحد 12 يوليو 2026 م - 27 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

من وقف الكتب إلى وقف المعرفة الرقمية.. أين ذهبت مكتبات الأوقاف؟ «2»

من وقف الكتب إلى وقف المعرفة الرقمية.. أين ذهبت مكتبات الأوقاف؟ «2»
الأحد - 12 يوليو 2026 05:05 م

نجوى عبداللطيف جناحي

تناولنا في مقالنا المنشور في هذه الجريدة الغرَّاء (الوطن العُمانيَّة) يوم الخميس الماضي إشكاليَّة الكتب الموقوفة من قِبل الأجداد، والتي كانت تُحفظ في المكتبات العامَّة والمكتبات الخاصَّة، كمكتبات المدارس والجامعات ومكتبات العلماء والفقهاء. وقد بيَّنت أن هذه الإشكاليَّة شغلتني عندما كنتُ أتصفح الكتب التي كانت في مكتبة جدِّي عبدالله بن عجلان ـ رحمه الله ـ وهو أحد علماء البحرين في الفِقه المالكي، الذي عاش في بدايات القرن التاسع عشر، منذ عام (1917) حتى عام (1975م)، وكان يجلس في مجالس العلماء للفتوى على المذهب المالكي. كان جدِّي ـ رحمه الله ـ يملك مكتبة تضمُّ كتبًا قديمة في الفِقه المالكي. وما لفَتَ نظري في هذه المكتبة وجود الكثير من الكتب، كُتب عليها بخط اليد عبارة تفيد بأنها كتُب موقوفة على طلبة العِلم. ولعلَّ هذا النَّوع من الوقف الخيري ـ أقصد الوقف على طلبة العِلم ـ كان سائدًا في الأزمنة القديمة. وهنا شغلتني إشكاليَّة، وهي: أين ذهبت تلك الكتب القديمة التي كانت تُوقف في جميع مجالات العلوم؟ وهل لا يزال القائمون على المكتبات يحافظون عليها؟ وهل لا تزال تلك الكتب القديمة موجودة؟

والواقع أن الإجابة عن هذا التساؤل ليست واحدة. فبعض هذه الكتب لا يزال محفوظًا في مكتبات الأوقاف، والمكتبات الوطنيَّة، والجامعات في صورتها الورقيَّة، بعد أن خضعت للترميم والتصوير الرَّقمي. ومن أبرز الأمثلة ما تحتفظ به مكتبات دار الملك عبدالعزيز، ومكتبة الأسد الوطنيَّة، ودار الكتب المصريَّة، ومكتبة الأوقاف العامَّة من آلاف المخطوطات التي كان كثير منها في الأصل أوقافًا علميَّة.

غير أن قِسمًا آخر تعرَّض للتلف أو الضياع بسبب الحروب والحرائق والفيضانات، بينما خرجت مجموعات كبيرة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين إلى مكتبات عالميَّة عبر الشراء أو الإهداء أو النَّهب في فترات الاضطراب السياسي، فأصبحت محفوظة في مكتبات أوروبيَّة وأميركيَّة، وإن بقيت تحمل أختام الوقف التي تشهد على أصلها.

ومع انتشار وسائل الطباعة، ومع دخول المُجتمعات العالم الرقمي، حيث انتقلت الكتب الورقيَّة من رفوف المكتبات إلى العالم الرَّقمي وشاشات الحواسيب الإلكترونيَّة لتكون جزءًا من العالم الرَّقمي، فلم تَعُدِ المُشْكلة في ندرة النسخة الورقيَّة، بل في سهولة الوصول إلى المعرفة الموثوقة. وهنا يبرز سؤال جديد: هل حان الوقت للانتقال من «وقف الكتب الورقيَّة» إلى وقف المعرفة الرقميَّة؟.

لقد بدأت ملامح هذا التحوُّل تظهر في مشاريع رقمنة المخطوطات وإتاحتها مجانًا، وفي إنشاء المكتبات الإلكترونيَّة وقواعد البيانات العلميَّة. غير أن هذه المبادرات لا تزال في معظمها جهودًا محدودة بالنسبة إلى حجم الموروث العلمي في الحضارة الإسلاميَّة العريقة، بينما لا يزال الوقف المؤسَّسي الرَّقمي في بداياته.

إن مفهوم الوقف بطبيعته مَرِن؛ فإذا كان المُحسن قَبل ألف عام يوقف نسخة نادرة من كتاب في أُصول الفِقه، فإن المُحسن اليوم يستطيع أن يوقف منصَّة إلكترونيَّة، أو يموِّل رقمنة آلاف المخطوطات، أو يدعم قاعدة بيانات للتراث الإسلامي، أو يوفِّر اشتراكات مجانيَّة للباحثين، أو يموِّل تطوير أدوات ذكاء اصطناعي تساعد في فهرسة المخطوطات وتحقيقها وربطها ببعضها.

لقد أدرك أسلافنا أن المعرفة لا ينبغي أن تكون حكرًا على القادرين على شراء الكتب، فابتكروا وقف المكتبات. أمَّا اليوم، فإن التحدِّي لم يَعُدْ في امتلاك الكِتاب، بل في ضمان الوصول الحُر إلى المعرفة الموثقة، وصيانتها، واستدامتها. ولعلَّ وقف المعرفة الرقميَّة هو الامتداد الطبيعي لذلك الإرث الحضاري، وإن اختلفت الوسيلة، إلَّا أن الرسالة تبقى واحدة، وهي أن يظل العِلم صدقة جارية لا تنقطع منفعتها.

وهنا تقع على عاتق هذا الجيل مسؤوليَّة الحفاظ على الكتب الموقوفة التي أوقفها أسلافنا، حيث يجب الحفاظ عليها وإتاحتها لطلاب العِلم، وبالتالي يصبح على أبناء هذا الجيل، وتحديدًا المؤسَّسات الوقفيَّة، أن تضع خطَّة منظَّمة لرقمنة الكتب الموقوفة من قِبل السابقين، فتلك أمانة في أعناق القائمين على الوقف... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@