الأربعاء 15 يوليو 2026 م - 30 محرم 1448هـ
أخبار عاجلة

الاستثمار فـي الصحة ينعكس على التنمية الاقتصادية

الاستثمار فـي الصحة ينعكس على التنمية الاقتصادية
الأحد - 12 يوليو 2026 05:02 م

جودة مرسي

10

شهدت سلطنة عُمان خلال العقود الماضية تطوُّرًا ملحوظًا في منظومتها الصحيَّة، حيث توسَّعت في إنشاء المستشفيات والمراكز الصحيَّة في مختلف المحافظات، ممَّا أدَّى إلى ارتفاع مستوى الخدمات الطبيَّة والتخصصيَّة، الأمر الذي انعكس على المؤشِّرات الصحيَّة، مثل: انخفاض معدَّلات وفيات الأطفال والأُمَّهات، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وتوفير خدمات الرعاية الصحيَّة الأوَّليَّة لجميع المواطنين والمقِيمِين، بل والقادمين من الدول الخليجيَّة الأخرى. ويكتسب الاستثمار في تطوير المنظومة الصحيَّة أهميَّة متزايدة في ظل النُّمو السكاني، وارتفاع متوسط الأعمار، والزيادة العالميَّة في انتشار الأمراض المزمنة، مثل السكري وأمراض القلب والسرطان، الأمر الذي يتطلب تعزيز البنية الأساسيَّة للمؤسَّسات الصحيَّة، وتطوير المستشفيات التخصُّصيَّة، وتوسيع خدمات الرعاية الوقائيَّة، والاستفادة من التقنيَّات الحديثة كالذكاء الاصطناعي، والطِّب عن بُعد، والسجلَّات الصحيَّة الإلكترونيَّة، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتسريع التشخيص والعلاج. ومؤخرًا أعلنت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار عن طرح حزمة من الفرص الاستثماريَّة، بقِيمة استثماريَّة إجماليَّة تُقدَّر بنحو (16) مليون ريال عُماني، في قطاع الرعاية الصحيَّة النوعيَّة، في خطوة تستهدف استقطاب استثمارات نوعيَّة تسهم في تطوير الخدمات الصحيَّة، وتعزيز الصناعات الطبيَّة، ودعم مستهدفات سلطنة عُمان في بناء منظومة صحيَّة أكثر كفاءة واستدامة. ويُعَد الاستثمار في الرعاية الصحيَّة إحدى أهمِّ الركائز التي تعتمد عليها سلطنة عُمان لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز جودة الحياة؛ إذ تنظر رؤية «عُمان 2040» إلى القطاع الصحي بوصفه استثمارًا في الإنسان قبل أن يكون مجرد قطاع خدمي. ونظريًّا وعلميًّا، فإن الاستثمار في الصحَّة ينعكس على رفع الإنتاجيَّة، وزيادة متوسط عمر الأفراد، وتحسين جودة الحياة، وتقليل الأعباء الاقتصاديَّة الناتجة عن الأمراض.

يُمثِّل الاستثمار في الكوادر الوطنيَّة عنصرًا أساسيًّا في نجاح المنظومة الصحيَّة، من خلال تطوير برامج التعليم الطبي والتخصُّصي، والتدريب المستمر للأطباء والممرضين والفنيين، وتشجيع البحث العلمي والابتكار الطبي، بما يُعزِّز قدرة السلطنة على مواكبة التطورات العالميَّة في المجال الصحي؛ ممَّا ينعكس على الجانب الاقتصادي؛ حيث يشكل قطاع الصناعات الطبيَّة أحد القطاعات الواعدة التي يمكن أن تسهم في تنويع الاقتصاد الوطني، وتقليل الاعتماد على الواردات. ويشمل ذلك تصنيع الأدوية والمستلزمات الطبيَّة والأجهزة الطبيَّة والمنتجات المخبريَّة، إضافة إلى تشجيع الصناعات الحيويَّة والتقنيَّات الطبيَّة الحديثة. وقد أثبتت التجارب العالميَّة ـ خصوصًا خلال جائحة كوفيد-(19) ـ أهميَّة امتلاك قدرات وطنيَّة في إنتاج المستلزمات الطبيَّة والأدوية لضمان الأمن الصحي واستمراريَّة الإمدادات في أوقات الأزمات. كما أن تطوير الصناعات الطبيَّة يفتح المجال أمام جذب الاستثمارات المحليَّة والأجنبيَّة، ونقل التكنولوجيا، وإقامة شراكات مع الشركات العالميَّة، وخلق فرص عمل نوعيَّة للكفاءات العُمانيَّة في مجالات الهندسة الطبيَّة، والصيدلة، والتقنيَّات الحيويَّة، والبحث والتطوير. ويمكن للمناطق الاقتصاديَّة والحُرَّة في سلطنة عُمان أن تؤدي دورًا مهمًّا في استقطاب هذه الصناعات، مستفيدة من الموقع الجغرافي المتميز والبنية اللوجستيَّة المتطورة. ولا يقتصر أثر الاستثمار الصحي على الجوانب العلاجيَّة فحسب، بل يمتد إلى تعزيز الاقتصاد الوطني من خلال تنشيط السياحة العلاجيَّة، وزيادة مساهمة القطاع الصحي في الناتج المحلي الإجمالي، ورفع تنافسيَّة السلطنة إقليميًّا، إضافة إلى تخفيف الإنفاق طويل الأجل الناتج عن علاج الأمراض عبر التركيز على الوقاية والكشف المبكر. وتنسجم هذه التوجُّهات مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، التي تؤكِّد أهميَّة بناء نظام صحي متكامل ومستدام يقوم على الجودة والكفاءة والابتكار والشراكة بين القطاعين العام والخاص. ومن هنا، فإن تعزيز الاستثمار في الرعاية الصحيَّة والصناعات الطبيَّة لا يُمثِّل خيارًا تنمويًّا فحسب، بل يُعَدُّ ضرورة استراتيجيَّة لتحقيق الأمن الصحي، ودعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز جاهزيَّة السلطنة لمواجهة التحديات الصحيَّة المستقبليَّة. وفي المحصلة، فإن استمرار سلطنة عُمان في تطوير منظومتها الصحيَّة، وتوسيع استثماراتها في الصناعات الطبيَّة، وتعزيز الابتكار والشراكات مع القطاع الخاص، سيؤدي إلى بناء قطاع صحي أكثر كفاءة واستدامة، قادر على تقديم خدمات عالية الجودة، وتحقيق الاكتفاء في العديد من المنتجات الطبيَّة، ودعم مسيرة التنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، بما يرسِّخ مكانة السلطنة كدولة تولي صحَّة الإنسان أولويَّة قصوى ضمن رؤيتها للمستقبل. وقد يدفع نجاح هذه الخطوة التي تمثلت في تعاون وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار ووزارة الصحَّة والهيئة العامَّة للمناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة إلى استقطاب العديد من الاستثمارات في مجال الخدمات الطبيَّة، لتكون سلطنة عُمان أهم مراكز السياحة العلاجيَّة والاستشفاء في المنطقة.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»