الثلاثاء 14 يوليو 2026 م - 29 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

الطبيعة غاضبة.. والبشر لا يعبؤون

الطبيعة غاضبة.. والبشر لا يعبؤون
الأحد - 12 يوليو 2026 05:01 م

د.أحمد مصطفى أحمد

10

أوقفت إحدى شركات التكنولوجيا الأميركيَّة الكبرى العمل في مركز بيانات هائل لخدمة الذكاء الاصطناعي في إحدى الولايات جنوب الولايات المتحدة قَبل أيَّام؛ بسبب موجة الحر الشديدة، وعدم إمكانيَّة توفير الطاقة الكافية للمركز، ذلك بالإضافة إلى اعتراضات محليَّة على استهلاك المركز للجهد الأكبر من الشبكة المحليَّة، ما يترك المواطنين المشتركين في خطر عدم توفر الكهرباء في ظل الحر الشديد، والحاجة إلى المراوح وأجهزة التكييف التي تعمل بالكهرباء. ذلك مجرد مثال واحد بسيط على حقيقة التغيُّرات المناخيَّة التي تمرُّ بها الكرة الأرضيَّة نتيجة ظاهرة الاحتباس الحراري، وتراجع الاهتمام العالمي بمكافحة التغيُّرات المناخيَّة. فموجة الحر غير المسبوقة في أوروبا، والتي أدَّت إلى وفاة المئات من البشر في الأسابيع الأخيرة، تنسف تمامًا كل حجج من يقولون إن التغيُّر المناخي ليس بهذه الخطورة، وتخرس من يروِّجون لنظريَّات المؤامرة بشأن عدم حاجة العالم إلى مواجهة ارتفاع درجة حرارة الأرض.

منذ اتفاقيَّة باريس للمناخ عام (2015م)، وأغلب دول العالم تسنُّ التشريعات وتتخذ الإجراءات للحدِّ من الانبعاثات المسبِّبة للاحتباس الحراري؛ لتفادي زيادة حرارة الكوكب بأكثر من درجتين مئويَّتين. لكن في السنوات الأخيرة تراجع ذلك الاهتمام، على الرغم من أن مؤشِّرات التغيُّرات المناخيَّة تتصاعد عامًا بعد عام. وتتمثل ليس فقط في موجات الحرارة الشديدة بمعدَّلات غير مسبوقة تسبِّب الحرائق والوفيات، وإنَّما أيضًا في زيادة حدَّة الأعاصير.. وغيرها من الظواهر المناخيَّة، وكذلك ذوبان الجليد في المناطق القطبيَّة بمعدَّلات تهدِّد بارتفاع منسوب المياه في المحيطات والبحار من ناحية، وتعرض التوازن البيئي للكوكب الذي نعيش فيه من ناحية أخرى. وبدا في العامين أو الأعوام الثلاثة الأخيرة أن البشر ما عادوا يعبؤون بتلك التغيُّرات المناخيَّة الواضحة، رغم ما تشير إليه من تضاعف غضب الطبيعة بسبب تصرفات الإنسان على الكوكب. فهل نحتاج ـ كبشر ـ إلى مزيد من غضب الطبيعة لندرك أن ما تمَّ التحذير منه في مؤتمر المناخ قَبل أحد عشر عامًا لم تكُن فيه مبالغة؟.

لا يمكن إنكار الجهود العالميَّة، ومن دول كثيرة في مقدِّمتها الصين التي كانت تُتَّهم بأنها من أكبر مصادر الانبعاثات، للتحوُّل نحو مصادر طاقة نظيفة، والاستثمار في توليد الكهرباء من الشمس والرياح وغيرها من المصادر المتجدِّدة والمستدامة. لكن كل ذلك ـ على ما يبدو ـ لم يكن كافيًا لتجنيب كوكب الأرض غضب الطبيعة الذي نشهده الآن. وإذا كان بعض مروِّجي مقولة إن التغيُّرات المناخيَّة ليست بتلك الخطورة يقولون إن الطبيعة تتغير على مرِّ القرون، وما على البشر سوى التكيُّف مع تلك التغيُّرات، فإن ما نشهده الآن أبعد من ذلك بكثير. وليس لدى البشر من السُّبل ما يمكِّنهم من التكيُّف مع ارتفاع درجات الحرارة، وتغيُّرات مواسم الأمطار بحدَّة غير مسبوقة تُهدِّد مصادر المياه للبشر والحيوان والزرع. ثم إن تكيُّف البشر يأخذ زمنًا حتى تأتي أجيال تتحمل تلك التغيُّرات في المناخ والطبيعة، في الوقت الذي يسارع فيه البشر بنشاطات نحو مزيدٍ من الاختلال البيئي. فمعدَّلات الطلب على الطاقة في نُمو مُطَّرد، زادت منه احتياجات الذكاء الاصطناعي. وحتى التحوُّل إلى السيَّارات الكهربائيَّة لتقليل انبعاثات الكربون من وسائل النقل يتطلب مزيدًا من الكهرباء. ولا توفِّر المصادر المُتجدِّدة للطاقة حتى الآن إلَّا قدرًا ضئيلًا من الطلب العالمي على الكهرباء. فما زالت أغلب محطَّات توليد الطاقة تعمل إمَّا بالغاز أو الديزل، بل حتى الفحم. ورغم أنَّه ـ ضمن اتفاقيَّة باريس ـ تعهدت دول العالم بوقف محطَّات توليد الكهرباء بالفحم، فإن دولًا كثيرة أعادت تشغيل محطَّات الفحم بعد أزمة وباء كورونا قَبل ست سنوات.

هناك توجُّه الآن لزيادة الاعتماد على محطَّات توليد الكهرباء بالطاقة النوويَّة؛ باعتبارها وسيلة نظيفة بيئيًّا، وتوفِّر إنتاجيَّة جيِّدة تُلبِّي الزيادة في الطلب. وما يشجِّع على توقُّع التوسُّع في استخدام المحطَّات النوويَّة ما يجري تطويره من مفاعلات صغيرة لا تحتاج إلى كل الكلفة للمفاعلات التقليديَّة، وتنتج في الوقت ذاته كميَّة مماثلة من الطاقة. إلَّا أن الاستثمار في الطاقة النوويَّة يتطلب رؤوس أموال كبيرة، ويحتاج إلى وقت حتى يُشكِّل نسبة معقولة من إنتاج الكهرباء العالمي. يقول علماء المناخ والبيئة إن الوقت لم يَعُدْ في صالح البشر؛ فوصول درجات الحرارة إلى المستويات الحاليَّة قد يصبح غير قابل للإصلاح في زمن قصير. ورغم أن تاريخ البشر على الأرض يشير إلى مرور الكوكب بتغيُّرات مناخيَّة عنيفة وقاسية في فترات سابقة، وإلى قدرة البشر على التكيُّف مع تلك التغيُّرات ولو على مدى أجيال، فإن ما يحدُث حاليًّا من مظاهر غضب الطبيعة قد يعني تحوُّلات أكثر حدَّة من ذي قبل. وبِغَضِّ النظر عن مرحلة الخطر التي يحذر منها العلماء، فإن الإنسان على مرِّ تاريخه لم يعدم ابتكار السُّبل والوسائل التي تمكِّنه من التعامل مع الطبيعة وغضبها. إنَّما الخطر الحقيقي هو تجاهل أجراس الإنذار، وأن يستمر البشر لا يعبؤون بها. وكما يقول المثل: «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، فسرعة التصدِّي للتغيُّرات المناخيَّة الآن أفضل من انتظار نتائجها ومحاولة إصلاحها.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]