السبت 11 يوليو 2026 م - 26 محرم 1448 هـ

من «الجزائر» إلى «تونس»: مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «١٠ـ١١»

من «الجزائر» إلى «تونس»: مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «١٠ـ١١»
السبت - 11 يوليو 2026 05:09 م

سعود بن علي الحارثي

10

عاشرًا: الجزائر ـ تونس، تاريخ حضاري ـ ثقافي مشترك.

التاريخ المغاربي، أو ما كان يُسمَّى بـ«المغرب الكبير»، لا يمكن فصله عن بعضه؛ فالحضارات والأُسر والسلالات الحاكمة والدول الإسلاميَّة امتزجت وتداخلت وتشابكت، ولا يمكن قراءة تاريخ وثقافة وتقاليد وآثار وحضارة أيِّ بلد من بلدانه اليوم بمعزل عن الآخر. فتاريخ الجزائر أو تونس هو جزء من تاريخ أوسع في شمال إفريقيا، يعود إلى آلاف السنين. فقد شهدت الأراضي الجزائريَّة ـ التونسيَّة وجود الفينيقيين، وتشكيل الإمبراطوريَّة القرطاجيَّة التي كانت عاصمتها «قرطاج» في تونس، والممالك النوميديَّة قبل أن تصبح تحت الهيمنة الجزئيَّة للرومان والوندال والبيزنطيين... في حين شهد القرن السابع الفتح الإسلامي، وأصبحت دول المغرب العربي وشعوبها مُكوِّنًا أساسيًّا ضمن هذا الفضاء الإسلامي ـ العربي. وفي مرحلة لاحقة عرفت المنطقة المغاربيَّة العديد من السلالات الحاكمة المحليَّة: الرستميين (٧٦٧ - ٩٠٩)، الزيريين (٩٧٢ - ١١٤٨)، الحماديين (١٠١٤ - ١١٥٢)، الزيانيين (١٢٣٥ - ١٥٥٦)... استغرق مسيرنا من الحدود التونسيَّة ـ الجزائريَّة إلى العاصمة «تونس» حوالي ثلاث ساعات؛ كانت الجنائن والغابات والزهور بتنوع ألوانها وأشكالها، والأراضي الخضراء الخصبة، والبحيرات التي تغذِّيها الأمطار، تشرح النفس، فيما كان باعة الفاكهة والمنتجات الزراعيَّة ـ الرعويَّة والحِرف اليدويَّة، وصانعات الخبز الطازج في الأفران، يتوزعون طوال الطريق وداخل القرى التي يمرُّ عليها الشارع، ليؤكدوا فوائض المنتجات المحليَّة... الشوارع الطويلة في كل من الجزائر وتونس تتنوع بين مسار ومسارين أو أكثر؛ بعضها مستهلكة لقدمها، وبعضها حديثة، مريحة وشاقة، وتمرُّ داخل الحارات والقرى أحيانًا، ممَّا يضاعف ساعات الرحلة ومشاق السَّفر البَرِّي. يقع الفندق الذي حجزنا فيه بقلب العاصمة تونس، بالقرب من المدينة العتيقة وجامع الزيتونة، وساحة الثورة التي تختال بتمثالي الحبيب بورقيبة وابن رشد، وباب البحر، وشارع الحبيب بورقيبة النشط بالحركة البشريَّة والحياة الليليَّة الصاخبة، وعدد من المعالم السياحيَّة البارزة والأبنية التاريخيَّة القديمة. وكنَّا نقضي السَّاعات يوميًّا في الاستمتاع بهذا المزج المثير بين القديم والحديث: الأسواق الشَّعبيَّة والعلامات التجاريَّة العصريَّة، والأبنية العتيقة بعمارتها الإسلاميَّة المهيبة، وتلك التي تنتمي إلى العصر الحالي. نرتشف القهوة، ونتناول الكعك والآيس كريم، في مقاهٍ من الزمن القديم، ونصلِّي المغرب والعشاء جمعًا مع المُصلِّين في جامع بُني قبل ألف عام، وما زال يؤدي دوره الدِّيني والروحي والتعليمي. فيا لهذا البذخ والمتعة وفرص التأمل وتنمية المعرفة والعيش في صفحات تاريخ قضيناها في تونس الخضراء، التي تتمتع بفرادة وثراء وتنوع وجَمال لا مثيل له؛ لمسناه واستشعرناه وامتزجنا فيه، وعشنا أجواء حضارات ودول وأُسر وممالك نمَتْ وازدهرت وانتهت لتحلَّ محلَّها أخرى، وفي ذلك درس وعبرة وحكمة للإنسان. وتبقى المعرفة والفنُّ والإبداع الإنساني ترفد بعضها بعضًا؛ لتقدِّم لإنسان اليوم معجزات وإنجازات إنسان الماضي. فما أجمل السفر، وأعمق دروسه! جامع الزيتونة، المَعْلم الأبرز والأرفع قيمة في العالم الإسلامي، هو أقدم جامعة في العالم، وشاهد على فتوحات المسلمين في بلاد الأندلس. يقع في قلب المدينة العتيقة، ويرجع بناؤه إلى القرن الثاني الهجري تقريبًا. نُسِب بناؤه إلى زيادة الله بن الأغلب، مع تجديدات متتابعة في عصور الأغالبة والحفصيين والعثمانيين، حتى غدا من أقدم الجوامع الجامعة في بلاد المغرب، فيما تؤكد معلومات أخرى أن بناءه أُنجز في عام (٧٩) هجريَّة على يد مؤسِّسه حسان بن النعمان، وأتمَّه عبيد الله بن الحبحاب، واقتصرت توسعته فقط على زيادة الله. «تصل مساحته إلى نحو (٥٠٠٠) متر مربع، منها مساحة مغطاة تقارب (١٣٠٠) متر، وله (٩) أبواب تطل على أزقة المدينة، وتقوم قاعة الصلاة على (١٨٤) عمودًا، جلها من رخام مستخرج من آثار قرطاج القديمة، وتتوسط الصحن مزولة شمسيَّة لضبط أوقات الصلاة، فيجمع الموضع بين وظيفة العبادة ودقة الحساب الفلكي. صُمم المحراب وفقًا للطراز الفاطمي، مع قبَّة منقوش على عنقها اسم الخليفة العباسي المستعين بالله، وتعدُّه الدراسات من أقدم المحاريب الجامعة في عمارة الإسلام، وتتكاثف حوله الزخارف النباتيَّة والخطيَّة في تآلف بين النَّص القرآني وبنية الجدار الحامل له». أدَّى جامع الزيتونة دور الجامعة الإسلاميَّة لحوالي ثلاثة عشر قرنًا تقريبًا، فتخرَّج فيه علماء كابن خلدون وابن عرفة والطاهر بن عاشور وغيرهم، وتداولت أروقته حلقات التفسير والحديث والفِقه المالكي وعلوم العربيَّة حتى العصر الحديث. أسواق المدينة العتيقة تفيض بالأشياء والمقتنيات القديمة والصناعات والمنحوتات والنقوش اليدويَّة والملابس التقليديَّة والهدايا الثمينة وروائع الفنون الحِرفيَّة التي يصنعها الحِرفيون، ويتقنها أبناء تونس أيَّما إتقان. ولا يفوت السَّائح انتقاء أجمل الهدايا والتذكارات التي تُشكِّل قِيمة عالية. أخذنا من تونس إلى «القيروان»، المدينة التاريخيَّة الأبرز في بلدان المغرب العربي، حوالي ساعتين، في مسير تكتسي أرضه ريفًا أخضر، ومزارع الزيتون هي الملح الطاغي خاصَّة... قصبة القيروان، المدينة العتيقة، هنا التاريخ يتحدث، وهنا ينقلك الزمن من عصر لم يَعُدْ فيه للعرب والمسلمين دور حضاري يُذكر، حاضر نشهد فيه الهزائم والانقسامات والتراجع والتقوقع والضعف، إلى ماضٍ موغل في القدم، كان فيه المكان مركزًا للحضارة العربيَّة ـ الإسلاميَّة ـ الإنسانيَّة. فمن هذه المدينة، القيروان، تنطلق الجيوش تباعًا نحو الفتوحات لنشر الإسلام والعِلم والحضارة والتقدُّم والقِيَم الإنسانيَّة العظيمة. هنا تختلط المشاعر ويهتز الوجدان، وتطرح الأسئلة، وتبرع القريحة في إجراء المقارنات، وتجود الذاكرة بقصص الأبطال والنماذج وحكايات الشخصيَّات العظيمة والقادة: كيف كنَّا، وأين أصبحنا؟ هنا تسفح العيون دموعًا، ويستطرد القلم في نقل ما اكتنز في القلب وتراكم من أحزان وآلام وإحباطات. إنها القيروان، رابع المُدن الإسلاميَّة المقدَّسة بعد مكَّة والمدينة والقدس، وأقدمها على الإطلاق في المغرب العربي الكبير، بناها عقبة بن نافع استعدادًا للفتوحات الإسلاميَّة، وتحفيزًا وتشجيعًا للعلماء والقادة والجند الذين بلغوا هذه المنطقة للإقامة والاستقرار، خوفًا من أن تُشكِّل عودتهم إلى بلدانهم الأصليَّة ردَّة السكان إلى عقائدهم القديمة. «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]