يُمثِّل قطاع التعليم أحَد أهمِّ القطاعات الاستثماريَّة في رؤية «عُمان 2040»؛ لارتباطه بالبحث العلمي، والابتكار، والمهارات، وريادة الأعمال، والهُويَّة، والقِيَم، وهي مرتكزات تصنع للتعليم حضورًا نوعيًّا في عالم الاقتصاد الواسع. لذلك، يُؤمَّل من التعليم ومؤسَّساته أن تؤدي دورًا محوريًّا في توفير الفرص التعليميَّة والتدريبيَّة والبحثيَّة والاستشاريَّة، واستثمارها، وتقديم خيارات تعليميَّة عالية الجودة لاستقطاب الكفاءات، وإنتاج القدرات الدَّاعمة لعوامل الإنتاج، التي ترفد سوق العمل بمخرجات قادرة على الإسهام الفاعل في التنويع الاقتصادي.
كما تضع هذه المؤسَّسات أمام الشركات خيارات تعليميَّة متعدِّدة في التعليم المهني، والتقني، والفنِّي، والتخصُّصات الواعدة؛ بما يضمن صقل مواهب الناشئة والشباب، وتمكينهم من إتقان المهارات الناعمة، والمهارات التقنيَّة، ومهارات المستقبل، وتوفير الوظائف النوعيَّة التي تُعزِّز انخراط الشباب العُماني في مواقع العمل والإنتاج، سواءً كانوا من الباحثين عن عمل من خريجي التعليم العالي والجامعي، أو الدبلوم المتوسط، أو الدبلوم العام، أو من خلال ما توفِّره من فرص للشباب العُماني المسرَّح من عمله، من ذوي الخبرة، لتوظيف مهاراته وقدراته في بناء مشروعات اقتصاديَّة منتِجة، والإسهام، عبر المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، في خلق حراك اقتصادي يُعزِّز حضوره في الصناعات التحويليَّة، والخدمات اللوجستيَّة، وخدمات الطاقة.. وغيرها.
وعليه، فإنّ الحديث عن دور التعليم في تعزيز هذه الطموحات الاقتصاديَّة الوطنيَّة يأتي من خلال جملة من الموجِّهات التي ينبغي للتعليم أن يؤصلها في سياساته، وبرامجه، ومناهجه، وأن يستدركها في منهجيَّاته وأطروحاته، وأن يبرزها في منصَّاته ومؤسَّساته. وتبدأ هذه الموجِّهات من مسؤوليَّاته في رفع سقف توقُّعات الطلبة وأولياء أمورهم، والانتقال بالنموذج التعليمي إلى مرحلة توطين الكفاءات، وتعظيم الإنتاجيَّة، والاستثمار، وصناعة الفرص، وخلق استدامة الوظائف.
إن تحقيق هذا الطموح الاقتصادي من خلال التعليم يرتبط بمستوى التحوُّل في طبيعة الممارسة التعليميَّة ذاتها، التي ينبغي أن تتجه اليوم نحو الابتكار، والتجديد، والمهنيَّة، وتعزيز فرص البحث العلمي، والابتكار، وريادة الأعمال، والتعمق في دراسة مهارات المستقبل، وكفايات التعليم في الثورة الصناعيَّة الرابعة، والمحتوى الوطني، واستخدام التقنيَّات الحديثة، والذَّكاء الاصطناعي، وإدماج ذلك كله في مناهج التعليم وبرامجه ومساقاته التدريسيَّة وخططه الدراسيَّة؛ بما يضمن قدرة المناهج التعليميَّة، والأنشطة، وعمليَّات التعليم والتعلُّم، على استيعاب متطلبات الواقع، واحتواء المُكوِّنات النوعيَّة للأنشطة الاقتصاديَّة واللوجستيَّة، التي تتفاعل مع البيئات الاقتصاديَّة، والصناعيَّة، والإنتاجيَّة، وبيئات الأعمال.
كما يتطلب ذلك تعزيز البنية الاقتصاديَّة في أساليب التعلُّم ومناهج التعليم، وترسيخ مفاهيم الاستثمار، وبناء المشروع، والإنتاجيَّة، وتعزيز مسارات ريادة الأعمال، وإيجاد مساحة أكبر للمواءمة بين التعليم، بوصفه فكرًا وممارسةً ومبادئَ وأخلاقيَّات، وبين المسارات التعليميَّة الأخرى المتوقع أن تسهم في إعادة هيكلة التعليم بما يتناغم مع المتطلبات الاقتصاديَّة، ورفد المشروعات الاقتصاديَّة. ومن شأن ذلك أن يُعزِّز تدريس المهارة، ويؤسِّس للتنويع في مسارات التعليم، في ظل ما تتطلبه الصناعات التحويليَّة، والخدمات اللوجستيَّة، والنقل البحري، من قوى وطنيَّة ماهرة تمتلك القدرات والاستعدادات.
إنَّ صناعة التحوُّل في المَسيرة الاقتصاديَّة للتعليم تتطلب إعادة ضبط سياساته، والتنويع في مساراته، وإحداث تحوُّل في بناء التخصُّصات وإعادة تقييمها وفق مدى ارتباطها بالواقع، وقدرتها على تلبية احتياجات الوظائف في القطاعين العام والخاص. كما تتطلب إعادة ترتيب أولويَّات التخصُّصات الأكاديميَّة بما يتواءم مع احتياجات سوق العمل الوطني، من خلال امتلاك رؤية وطنيَّة مستدامة تتَّسم بالتكامل، والمهنيَّة، والعمق، وتنسجم فيها السياسات التعليميَّة، والخطط، والبرامج، والتخصُّصات، والمساقات التدريسيَّة في الجامعات والكليَّات مع طبيعة المرحلة، والمستجدَّات التي تشهدها منظومة الأداء الوطني.
وفي الوقت نفسه، ينبغي رصد مراحل تطور سوق العمل الوطني، وطبيعة عمل القطاعات والمؤسَّسات، والقطاع الخاص، والاحتياجات الوطنيَّة المستقبليَّة من التخصُّصات، آخذًا في الاعتبار التخصُّصات ذات القِيمة المضافة التي تُمثِّل أحَد أهمِّ مرتكزات تحقيق التنويع الاقتصادي والاستدامة، وإيجاد تخصُّصات أكثر ارتباطًا بوظائف المستقبل، ولا سِيَّما في قطاع المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، وقطاع ريادة الأعمال، والمشروعات القائمة على الابتكار، والذَّكاء الاصطناعي، والتقنيَّات المتقدمة، ولا يعني ذلك التقليل من أهميَّة التخصُّصات في العلوم الإنسانيَّة، والاجتماعيَّة، والتربويَّة، وغيرها، وإنَّما إعادة هيكلتها وتقنينها بما ينسجم مع احتياجات سلطنة عُمان حتى عام (2040)م، وبما يوفِّر الكفاءات القادرة على تحقيق مستهدفات الرؤية، مع مراعاة طبيعة الوظائف، ومُسمَّياتها، والتخصُّصات المرتبطة بها، ومستويات النُّمو والتحوُّل المتوقع أن تشهده هذه الوظائف مستقبلًا.
وعليه، فإن من شأن ضبط مدخلات التعليم الجامعي والعالي، وتحسين عمليَّاته، الوصول إلى مخرجات قادرة على إثبات الذَّات، والانطلاق بالشباب العُماني «الخريج» نحو آفاق رحبة، دون هاجس انتظار الوظيفة الحكوميَّة، بما ينمِّي لديه فِقه بناء المشروع الاحترافي، وإدارته، والتعامل الواعي معه، في ظل تحقيق أعلى درجات الجودة، والمنافسة، والتسويق، ولِمَا لذلك من أثر في تعزيز تقدير المُجتمع للتعليم، وثقته فيه، واعترافه بما يقدِّمه في سبيل تعليم أبنائه، في ظل واقع اجتماعي ما زال ينظر إلى الوظيفة بوصفها المنتج النهائي للتعليم، ويقيس نجاح المتعلم في مَسيرته التعليميَّة بحصوله على الوظيفة الحكوميَّة المناسبة.
ويطرح هذا الواقع على مؤسَّسات التعليم العالي ضرورة امتلاك حزمة من المبادرات التطويريَّة التي ينبغي العمل عليها على مستوى المدخلات، والعمليَّات، والمخرجات، بما يضمن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الوطنيَّة، والأخلاقيَّة، والمهنيَّة، والإنسانيَّة، وأن تمتلك مخرجاتها المهارات، والقدرات، والاستعدادات، والجاهزيَّة، والقِيَم، والمبادئ التي تؤهلها لقَبول فرص العمل المتاحة، وابتكار بدائل النجاح المستقبليَّة في ضوء الفرص التي يتيحها الواقع الاقتصادي، وأن توسّع من دائرة العمل المتقن الذي يربط بين السلوك التعليمي الممارس في قاعات التدريس، والمختبرات، وحلقات العمل، وبين المهارة المتولدة عنه. فكلَّما التصقت الممارسة التعليميَّة بواقع الحياة، ونقلت الطالب إلى دور الفاعل، والمؤثر، والمبتكر، والمخترع، والمستكشف، والمنتج، كان المنتج التعليمي أكثر جودةً وفاعليَّة في أداء رسالته، بقدر ما يمتلكه من مهارات أصيلة، وخبرات عمليَّة، وقدرات، وأخلاقيَّات في ميادين العمل، والإنتاج، والمنافسة.
إنَّ من شأن ذلك أن يُعزِّز فرص الاستثمار في الكفاءة الوطنيَّة على المستوى العالمي، بحيث لا يقتصر دور مؤسَّسات التعليم على إعداد مخرجات لسوق العمل المحلِّي، بل تتَّسع رؤيتها لِتشملَ إعداد الخريج للمنافسة في أسواق العمل العالميَّة، التي يقودها اقتصاد المعرفة، والتنافس المهاري، وتسويق الكفاءة والخبرة الوطنيَّة. كما يتطلب ذلك بناء علاقة أكثر استدامة بين التعليم، والمهارات، وسوق العمل، وإحداث تجديد في الفلسفة التعليميَّة، والآليَّات، والتخصُّصات، ونُظُم التقويم، بما يستدعي تأسيس آليَّات واضحة، وإطارًا مؤسَّسيًّا يتولى رصد التطورات في سوق العمل، وتحليل طبيعة الطلب على الكفاءات الوطنيَّة والتخصُّصات، والتعامل معها في ظل تشريعات مرنة، وأنظمة حوافز مناسبة، وثقافة مؤسَّسيَّة تُعزِّز معايير الإبداع، والتجديد، والابتكار؛ الأمر الذي يستدعي أن تطوِّر مؤسَّسات التعليم العالي برامجها الدراسيَّة والتدريبيَّة، وتطويعها بما ينسجم مع احتياجات سوق العمل المتجدِّدة، والتخصُّصات العلميَّة، والتقنيَّة، والفنيَّة، والمهارات المطلوبة، ونوعيَّة الوظائف التي يفرضها المستقبل، كما يستدعي مراجعةً منهجيَّة لآليَّات عمل مركز القَبول المُوَحَّد فيما يتعلق بخيارات الطلبة، والتخصُّصات المطروحة، وآليَّة احتساب المعدَّل التنافسي، إلى جانب تعزيز دور الهيئة العُمانيَّة لضمان جودة التعليم في تقييم جودة البرامج التعليميَّة ومخرجاتها.
وعليه، فإن من شأن تحقيق المواءمة التعليميَّة وربطها بسوق العمل الوطني ضبط مدخلات التعليم العالي من خريجي الدبلوم العام، من خلال إيجاد معايير تقييم موحَّدة تتوافق مع المعايير العالميَّة، وتضمن جودة الأداء المهني والسلوك الوظيفي، وهو ما يتطلب من مؤسَّسات التعليم العالي الإفادة من مختلف التوجُّهات والرؤى التي يطرحها القطاع الخاص، والاستفادة من رؤيته التطويريَّة، وبناء شراكة فاعلة معه في تصميم المناهج، وتشجيع المبادرات والابتكارات، وترسيخ ثقافة العمل المهني.
كما يتطلب ذلك ربط مؤسَّسات التعليم المدرسي والعالي بالشركات، وتعظيم الاستفادة من مبادرات الاستثمار الأجنبي في تقديم مسارات تعليميَّة مَرِنَة وتنافسيَّة تبدأ من سِنٍّ مبكرة، وتُلبِّي احتياجات المناطق الصناعيَّة، والمُدن الاستراتيجيَّة، بما يُعزِّز قدرتها على الإسهام الفاعل في تطوير الاقتصاد الوطني، وتوطين الصناعة، ودعم الشركات الناشئة، والشركات الطلابيَّة، وبراءات الاختراع، وخلق فرص العمل القادرة على استيعاب تنوع مهارات الناشئة والشباب العُماني، واحتواء الكفاءات الوطنيَّة، وإعادة توجيهها بما يتواءم مع وظائف المستقبل، ويتفاعل مع المهارات الناعمة ومتطلبات الاقتصاد المعرفي. أخيرًا، فإن نجاح هذا التوجُّه مرهون بقدرة منظومة التعليم على الانتقال من مرحلة الاستجابة لمتغيِّرات سوق العمل إلى مرحلة استشرافها وصناعتها، عبر سياسات تعليميَّة مرنة، ومناهج متجدِّدة، وشراكات مؤسَّسيَّة فاعلة، تستثمر في الإنسان العُماني، المحرك الرئيس للتنمية، بما يُعزِّز تنافسيَّة سلطنة عُمان، ويُحقِّق مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
د.رجب بن علي العويسي