السبت 11 يوليو 2026 م - 26 محرم 1448 هـ

في الحدث : تيقنت بأن لا حياة لمن تنادي.. فـنبشت الأرض بحثا عن أبنائها

في الحدث : تيقنت بأن لا حياة لمن تنادي.. فـنبشت الأرض بحثا عن أبنائها
السبت - 11 يوليو 2026 05:02 م

طارق أشقر

10

«لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا، ولكن لا حياةَ لمن تُنادي... ولو نارًا نفختَ بها أضاءت، ولكنْ أنتَ تنفخُ في رماد.»

بيت الشعر أعلاه منسوبٌ إلى عمرو بن معديكرب الزبيدي، من الشعراء المخضرمين الذين أدركوا الجاهليَّة ثم صدْر الإسلام، فأسلَم. فهو ـ في معناه وحسب المعطيات التي استدعت الاستدلال به ـ يصوِّر شعورَ مَن يستغيث بالضمير الإنساني أو بالقِيَم الأخلاقيَّة أو بالقانون الدولي، فلا يجد استجابةً تُنهي معاناته.

فهو يعني أيضًا أن العجز قد لا يكون ـ عادةً ـ في مدى قوَّة النداء بالاستغاثة، وإنما في غياب مَن يسمع ويستجيب؛ وذلك لأن بذل الجهد في المناداة، مهما كان صادقًا، لن يؤتي نتيجةً في حال تمَّ توجيهه إلى مَن فقد الإرادة أو الإحساس أو القدرة على الاستجابة.

فإن ما يجسِّد بيتَ الشعر هذا هو صورةُ امرأةٍ فلسطينيَّة مُسنَّة تنبش بأصابعها بين أنقاض منزلها في مُخيَّم البريج بقطاع غزَّة، بحثًا عن رفات أبنائها الأربعة الذين فقدتهم إثر قصفٍ «إسرائيليٍّ» على المُخيَّم، وذلك بعد أن تيقَّنت ـ كما يبدو ـ بأن لا حياةَ لمن تُنادي في مَن حولها، وهي تستعرض على هاتفها المحمول صورةَ أحدهم التي قد تكون آخر ما تبقَّى من حضورٍ غاب جسده.

تلك الصورة، التي التقطتها وكالة (وفا) الفلسطينيَّة بعد نحو ألف يومٍ من اندلاع الحرب، ونشرتها هذه الجريدة الغرَّاء «الوطن» ضمن تقريرٍ عن الأوضاع الإنسانيَّة والصحيَّة بقطاع غزَّة، تؤكد أن الفلسطينيين لا يحصلون حتى على حقِّهم في معرفة مصير أحبَّتهم ودفنهم بكرامة.

هكذا حالهم، في وقتٍ لم تكن فيه الشهامةُ في الثقافة العربيَّة مجردَ فضيلةٍ اجتماعيَّة، بل كانت معيارًا لمروءة الإنسان، في حين أنَّ الأدب العربي مليءٌ بصوَر المواساة وإغاثة الملهوف ومساندة أهل الفقد؛ إذ لم يكُنِ الرثاء في التراث العربي بكاءً على الراحلين فحسب، بل اعترافًا بحقِّ الأحياء في الحزن، وواجبِ المُجتمع في الوقوف إلى جانبهم. ولذلك ظلَّ من المُهمِّ نجدةُ المستغيث، وها هي الفلسطينيَّة تستغيث عبر نبش الركام بأصابعها؛ فهل في المُجتمع الدولي مَن يوفِّر معدَّات حفرٍ لاستخراج رفات أبنائها؟!.

وفي عصرنا الحالي «الموصوف» بالحداثة، لم يَعُدْ هذا الواجب الأخلاقي المتعلق بصون كرامة الإنسان، حيًّا أو ميتًا، متروكًا للأعراف وحدها، بل أصبح التزامًا قانونيًّا صريحًا بموجب القانون الدولي الإنساني.

فقد أوجبت اتفاقيَّات جنيف لعام (1949) على أطراف النزاعات المسلَّحة البحثَ عن القتلى بعد انتهاء الأعمال القتاليَّة متى ما سمحت الظروف؛ إذ يجب جمع جثامينهم، والتعرُّف على هُويَّاتهم، وتسجيل بياناتهم، ودفنهم باحترام، وذلك مع توثيق أماكن قبورهم.

كما أكدت أيضًا البروتوكولاتُ الإضافيَّة والقواعدُ العرفيَّة للقانون الدولي الإنساني حقَّ الأُسر في معرفة مصير ذويها؛ باعتبار أن كرامة الإنسان لا تنتهي بوفاته، وأن معاناة العائلات لا ينبغي أن تستمر بسبب الجهل بمصير أحبائها.

ولعلَّ أكثر ما يثير الأسى أن المرأة المُسنَّة لم تكُن تبحث عن أملٍ في إنقاذ أبنائها؛ فهي تدرك أن الموت سبق الجميعَ إلى أبنائها، وأنها ـ كما يبدو ـ تبحث عن الحدِّ الأدنى من حقِّ الأُمومة، وهو أن تعثر على رفات من أنجبتهم، وأن تعرف أين يرقدون، وأن تؤدي لهم وداعًا يليق بهم، خصوصًا أنَّه حقٌّ وقيمةٌ إنسانيَّة اعترفت بها الحضارات، ورسَّختها الشرائع، وأقرَّتها القوانين الدوليَّة. هذه الصورة تُدين ـ في مضمونها ـ الحرب، وتذكِّر بأن للحروب ـ مهما بلغَتْ قسوتها ـ قواعدَها وقيودَها، ولها العديد من الواجبات الإنسانيَّة التي ينبغي القيام بها، وليس ترك الأمور إلى درجة أن تضطر أمٌّ مسنَّةٌ إلى أن تحلَّ أصابعُها محلَّ فِرق البحث، وأن تجعل من ركام بيتها مقبرةً مفتوحةً تبحث فيها بنفسها عن رفات أبنائها. وعلى أيِّ حال، قد تختلف المواقف السياسيَّة وتتباين الروايات حول الحروب، غير أن قِيمة الإنسان وحقَّ أُسرته في معرفة مصيره ودفنه بكرامة يجب أن يظلَّا من الثوابت التي لا تخضع للخلاف؛ لأنَّه حين تلجأ امرأةٌ إلى نبش الأرض بأصابعها بحثًا عن جثث ذويها، تصبح الإنسانيَّة كلُّها مطالبةً بأن تؤكد أنَّ الدنيا ما زال بها مَن هو «حيٌّ» لِيستجيبَ لِمَن ينادي بالوقوف بجانبه.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»