الأربعاء 08 يوليو 2026 م - 23 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

يوليو فـي الذاكرة العربية.. ثورة يوليو «52م» المصرية

يوليو فـي الذاكرة العربية.. ثورة يوليو «52م» المصرية
الأربعاء - 08 يوليو 2026 05:06 م

خميس بن عبيد القطيطي

10

قامت ثورة (23) يوليو (1952م) على ستة مبادئ رئيسة، وهي: القضاء على الإقطاع، والقضاء على الاستعمار، والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة جيش وطني قوي، وإقامة نظام ديمقراطي. وقد استطاع جمال عبدالناصر ومجلس قيادة الثورة تأسيس جمهوريَّة يُحسب لها حساب على الصعيد الدولي؛ فقد تمكن الرئيس عبدالناصر من توقيع اتفاقيَّة الجلاء عام (1954م)، وزوال الاحتلال الإنجليزي بالكامل عام (1956م). كما نجح عبدالناصر في تعزيز مكانة الفلَّاح المصري، الذي يُمثِّل غالبيَّة أبناء الشَّعب المصري؛ فألغى الإقطاع، وسنَّ قانون الإصلاح الزراعي، ومنح الفلَّاح المصري قطعة أرض يستصلحها ويسترزق منها. فمصر كانت عبارة عن إقطاعيَّة لمُلَّاك الأراضي. واستمر عبدالناصر في قيادة الثورة نحو مزيدٍ من المنجزات؛ حيث اعتمد على الذَّات الوطنيَّة، فقام بإنشاء (1200) مصنع تُعَدُّ باكورة الصناعة المصريَّة، بل إن عهد عبدالناصر طرق مجال الصناعة الحربيَّة، فقد كانت هناك إرادة وعزيمة وتصميم لجعل مصر والأُمَّة العربيَّة تتبوأ مكانتها الحقيقيَّة. كذلك منح عبدالناصر الفلاح نسبة تمثيل في مجلس الشَّعب، وحقق للزراعة المصريَّة أعظم مشروع في ذلك الوقت، وهو السَّد العالي. ويكفي مصر والعرب فخرًا أن تمكن عبدالناصر من انتزاع دعم لبناء السَّد العالي من البنك الدولي رغم رفض أميركا في بداية الأمر، وهذا بحدِّ ذاته يُمثِّل ثورة متكاملة الأركان؛ فقد تمكن جمال عبدالناصر من تحدِّي القوى الإمبرياليَّة بما كان يمتلك من مميزات الزعيم الثوري الذي يتسلح بالإرادة القويَّة والاعتماد على الذَّات الوطنيَّة. وفي عام (1956م)، أعلن عبدالناصر تأميم قناة السويس وإرجاعها للملكيَّة المصريَّة، وعلى إثر ذلك شنَّت إنجلترا وفرنسا و»إسرائيل» عدوانًا على مصر، استطاع عبدالناصر الخروج من ذلك العدوان الثلاثي عام (1956م) بنجاح سياسي كبير.

على الصعيد الخارجي، تمكن من تأسيس منظَّمة عدم الانحياز، وهو شيء يُحسب للزعيم عبدالناصر. كذلك ساند عبدالناصر حركات التحرر في الوطن العربي، وهذه الدول العربيَّة وقفت بقوَّة في حرب أكتوبر (73م) في تعزيز جبهات القتال؛ فقد أعدَّ جمال عبدالناصر العُدَّة منذ اليوم الأول لهزيمة يونيو (1967م)، وزوَّد الجيش بجميع الأسلحة، وكانت حرب الاستنزاف المقدمة الحقيقيَّة لحرب أكتوبر (73م). فشمل الإعداد لحرب استعادة الكرامة مختلف الجوانب السياسيَّة والاقتصاديَّة والعسكريَّة، بل كانت الأُمَّة العربيَّة عن بكرة أبيها تنتظر تلك المعركة.

هناك الكثير من إنجازات عبدالناصر التي لا يتسع المقام لذكرها، وخصوصًا على الصعيد الداخلي، من جسور ومُدن صناعيَّة وصناعة سيَّارات وقطع حربيَّة وتنظيم الدولة المصريَّة، وفي مجال الإذاعة والتلفزيون وقناة القرآن الكريم وتجميع أسطوانات القراءة لمشايخ القرَّاء المصريين. وأقرَّ الدعم لجميع السلع الاستهلاكيَّة التي يحتاجها الشَّعب المصري، بل كان في عهده قرار مجانيَّة التعليم والصحَّة والضمان الاجتماعي لجميع الأُسر الفقيرة. والأهم من ذلك: من هو عبدالناصر؟ هو إنسان بسيط من عائلة بسيطة، تُوُفِّي ولم يوجد في جيبه سوى جنيهات بسيطة، ولا يمتلك سيَّارة حتى منتصف فترة رئاسته. فهو إنسان نزيه ونظيف، لم تستهوِه تلك المظاهر، ولكنه كان يقف شامخًا قويًّا وسط ظروف دوليَّة عصيبة؛ ليُعلي مفهوم القوميَّة العربيَّة والوحدة العربيَّة والأمن القومي العربي.

عبدالناصر زعيم قومي عربي أراد لهذه الأُمَّة المجد، ورسم خطوط الكرامة والعزَّة في مشروع صادق وبإرادة صلبة وعزيمة قويَّة، واقتفى أثره الملايين من الجماهير العربيَّة التي أحبَّت هذا الزعيم، رحمه الله عليه. فقد كان يُمثِّل حلقة الميزان للقادة العرب، ويجتمع الجميع على محوريَّة مصر ودور عبدالناصر المؤثر في القادة والشعوب العربيَّة، وهذا من أسرار وعناصر قوَّة هذا الزعيم. فكانت محوريَّته ومركزيَّته والتفاف الجماهير من حوله ونموذجه الوطني العروبي الثوري يسبب قلقًا لكيان الاحتلال والقوى الدوليَّة التي تحاول الهيمنة على الوطن العربي. وفي ذروة حرب الاستنزاف جعل الاحتلال يستجدي إبرام اتفاق سلام مع عبدالناصر خمس مرَّات، وهذا باعتراف تلفزيوني مسجل لشيمون بيريز، رئيس وزراء الكيان الأسبق، لكن عبدالناصر كان دائمًا يرفض ذلك؛ لأن السلام في نظره يكون بالتخلص من الاستعمار وتحرير كامل الأراضي العربيَّة من الجولان إلى الضفة إلى قطاع غزَّة، وأخيرًا سيناء، فرفض كل عروض السلام مع العدوِّ دون تحقيق تلك الشروط. رحم الله عبدالناصر وأسكنه فسيح جناته.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]