الأربعاء 08 يوليو 2026 م - 23 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

من وقف الكتب إلى وقف المعرفة الرقمية .. أين ذهبت مكتبات الأوقاف؟ «1»

من وقف الكتب إلى وقف المعرفة الرقمية .. أين ذهبت مكتبات الأوقاف؟ «1»
الأربعاء - 08 يوليو 2026 05:03 م

نجوى عبداللطيف جناحي

10

كنتُ أتصفح الكتب في مكتبة جدِّي عبدالله بن عجلان ـ رحمه الله ـ وهو أحد علماء البحرين في الفِقه المالكي، وقد عاش في بدايات القرن التاسع عشر، منذ عام (1917) حتى عام (1975م). وكان يجلس في مجالس العلماء للفتوى على المذهب المالكي. كان جدِّي ـ رحمه الله ـ يملك مكتبة تضم كتبًا قديمة في الفِقه المالكي. وما لفَتَ نظري في هذه المكتبة وجود الكثير من الكتب، كُتبت عليها بخط اليد عبارة تفيد بأنها كتُب موقوفة على طلبة العِلم. ولعلَّ هذا النَّوع من الوقف الخيري ـ أقصد الوقف على طلبة العِلم ـ كان سائدًا في الأزمنة القديمة.

والواقع أنَّه ـ على مدى قرون ـ كان وقف الكتب إحدى أرقى صوَر الوقف العلمي في الحضارة الإسلاميَّة. فقد كانت كتُب علوم الدِّين، مثل: كتُب الفِقه وأُصوله، وكتُب الحديث والتفسير واللُّغة، وكتُب علوم الدنيا، مثل: كتُب الطِّب والرياضيَّات، من أنْفَس الممتلكات وأغلاها ثمنًا، حتى إنَّ اقتناء نسخة واحدة منها كان يفوق قدرة كثير من طلبة العِلم. لذلك لجأ المسلمون المهتمون بدعم العِلم والتعليم، مثل العلماء والأثرياء والحكام، إلى وقف الكتب على طلبة العِلم؛ حيث كانت تُودع في المدارس والمساجد والمكتبات العامَّة والمكتبات الخاصَّة، لِتبقَى متاحة لكل طالب عِلم دون مقابل.

ولم يكُنِ الوقف يقتصر على كتُب متناثرة هنا وهناك، بل كانت تجمع في مكتبات عامَّة، وفي المكتبات الخاصَّة بالعلماء الذين يتتلمذ على أيديهم طلبة العِلم. وقد كانت هناك بعض المكتبات الوقفيَّة التي تضم آلاف المخطوطات، مع شروط دقيقة تمنع بيعها أو استعارتها وإخراجها من المكتبة، حفاظًا عليها واستمرارًا للانتفاع بها. وكانت هذه المكتبات تُمثِّل الجامعات المفتوحة لعصرها، حيث يتوافد إليها العلماء والطلاب من مختلف البلدان.

ولم يكُن وقف الكتب عملًا فرديًّا عابرًا، بل أصبح مؤسَّسة علميَّة راسخة. ففي القرن الخامس الهجري أنشأ الوزير السلجوقي نظام المدارس النظاميَّة، وأوقف عليها آلاف الكتب في الفِقه الشافعي والحديث واللُّغة والعلوم العقليَّة، حتى أصبحت مكتباتها من أهمِّ مراكز المعرفة في العالم الإسلامي.

وفي بغداد ازدهرت خزائن الكتب الوقفيَّة في المدارس والمساجد، وكان العلماء يوقفون مكتباتهم الخاصَّة بعد وفاتهم، لِتظلَّ في خدمة طلاب العِلم. كما عرفتْ دمشق مكتبات وقفيَّة شهيرة في المدارس النوريَّة والظاهريَّة، حيث نصَّت وثائق الوقف على عدم بيع الكتب أو إخراجها إلَّا بشروط دقيقة، حفاظًا عليها للأجيال القادمة.

أمَّا في القاهرة، فقد كانت مكتبات الجامع الأزهر والمدارس المملوكيَّة تضم آلاف الكتب الموقوفة، وكان كثير من العلماء يوصون بأن تُجعل مكتباتهم وقفًا عامًّا.

ومن أشْهَر الأمثلة مكتبة المدرسة المحموديَّة التي ضمَّت مجموعات نفيسة من كتُب الفِقه والحديث.

وفي الأندلس أسهم الحاكم المستنصر بالله في إنشاء واحدة من أكبر مكتبات عصره في قرطبة، وضمَّت مئات الآلاف من المجلدات، وكانت مفتوحة للعلماء والنسَّاخ. وإن لم تكُن كلها موقوفة بالمعنى الفِقهي، فإنها حُبست لِيستفيدَ منها طلبة العِلم، وقد جسَّدت فكرة إتاحة المعرفة للجمهور.

كما عرفتِ المدينة المنوَّرة ومكَّة المكرَّمة مكتبات وقفيَّة أنشأها علماء ومحسنون لخدمة طلاب الحَرَمين، وظلَّت بعض هذه المجموعات محفوظة حتى العصر الحديث قَبل أن تنتقل إلى مكتبات عامَّة أو جامعيَّة.

وكانت الكتب الموقوفة نفسها تحمل عبارات تكشف طبيعتها الوقفيَّة، مثل: «وقف لله تعالى، لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث»، أو «أوقف هذا الكتاب لطلبة العِلم»، أو «هذا الكتاب لطلبة العِلم»، وهي عبارات لا تزال تُشاهد على كثير من المخطوطات المحفوظة في المكتبات العربيَّة والعالميَّة.

ومن أشْهَر العلماء الذين أوقفوا كتُبَهم أو أوصوا بجعلها في متناول طلاب العِلم: ابن الجوزي، وابن عساكر، وجلال الدِّين السيوطي. كما ورثتْ مؤسَّسات علميَّة كثيرة مكتبات كاملة أوقفها أصحابها قَبل وفاتهم.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين ذهبت تلك الكتب الموقوفة؟ فالوقف أمانة في يد الأجيال يجب الحفاظ عليها ونقلها للأجيال اللاحقة. وسنترك الإجابة عن هذا السؤال: أين ذهب هذا الإرث الكبير؟ وإن كان هذا الإرث موجودًا، فكيف سنتعامل مع هذه الكتب؟ هذا السؤال سنجيب عنه في المقال القادم... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@