الأربعاء 22 يوليو 2026 م - 7 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

الأموال تعرف الطريق

الأموال تعرف الطريق
الأربعاء - 08 يوليو 2026 05:00 م

إبراهيم بدوي

10

يجذبني في الأخبار الاقتصاديَّة أنها تمنح القارئ فرصة لاكتشاف ما وراء العناوين؛ فكل رقم يحمل رسالة، وكل مؤشِّر يروي جانبًا من قصة أكبر. لهذا توقفتُ طويلًا أمام بيانات القطاع المصرفي في سلطنة عُمان، التي أظهرت ارتفاع إجمالي الودائع إلى (36.5) مليار ريال عُماني، وارتفاع إجمالي الائتمان إلى (37.4) مليار ريال عماني. وبرغم أنني لستُ خبيرًا اقتصاديًّا، فإن هذه الأرقام دفعتني إلى التفكير في كلمة واحدة شعرتُ أنها تختصر المشهد بأكمله، وهي: الثقة. فالثقة تُمثِّل الأساس الذي تقوم عليه حركة الاقتصاد، وهي الوقود الذي يدفع المستثمر إلى اتخاذ القرار، ويدفع صاحب المشروع إلى التوسُّع، ويمنح المواطن شعورًا بالاطمئنان على مدخراته. ولهذا أجد أن نمو الودائع والائتمان يكشف عن واقع اقتصادي يعكس حالة من الاستقرار، ويؤكد أن الجميع يتعامل مع الاقتصاد العُماني بثقة، وينظر إلى مستقبله بتفاؤل، ويراه بيئة مناسبة للنمو والعمل والاستثمار.

إنَّ الثقة لا تنشأ في يوم واحد؛ فهي ثمرة رؤية واضحة، وسياسات متوازنة، وعمل مؤسَّسي متواصل. ومَن يتابع ما شهدته سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية يلمس حجم الجهد الذي بُذل لترسيخ الاستقرار المالي، وتعزيز كفاءة المؤسَّسات، وتهيئة بيئة أعمال أكثر جذبًا للاستثمار، ورفع كفاءة الجهاز المصرفي حتى أصبح قادرًا على مواكبة النُّمو الاقتصادي وتمويل المشروعات بكفاءة. وقد انعكس ذلك بصورة طبيعيَّة على حركة السوق؛ فارتفعت الودائع، واتسع حجم الائتمان، وازدادت قدرة البنوك على دعم الأنشطة الاقتصاديَّة المختلفة، فالاقتصاد بطبيعته يستجيب للثقة، والأموال تتحرك نحو البيئات التي تتوافر فيها الرؤية والاستقرار، ولذلك تؤكد هذه المؤشِّرات نجاح الحكومة العُمانيَّة في بناء اقتصاد يمتلك مُقوِّمات الاستمرار، ويستطيع التعامل مع المتغيرات الإقليميَّة والدوليَّة بثبات وثقة.

كما لفَتَ انتباهي وصول الائتمان الممنوح للقطاع الخاص إلى (30.3) مليار ريال عُماني، مع استحواذ الشركات غير الماليَّة على النسبة الأكبر من هذا التمويل. وهذا الرقم يكشف حجم النشاط الذي يشهده السوق، ويؤكد أن القطاع الخاص أصبح أكثر حضورًا في معادلة التنمية، وأكثر قدرة على تنفيذ مشروعات جديدة والتوسُّع في أعماله. فكل تمويل يُمنح لمصنع أو شركة أو مشروع إنتاجي ينعكس على حركة الاقتصاد، ويوسع فرص التوظيف، ويحفز الاستثمار والإنتاج، ويضيف قِيمة حقيقيَّة للناتج المحلِّي. وهو ما يؤكد نجاح النهج الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في تمكين القطاع الخاص، وترجمة مستهدفات رؤية «عُمان 2040» إلى واقع تؤيده الأرقام، وتؤكده المؤشِّرات، وتلمسه مختلف القطاعات الاقتصاديَّة.

أشعر بالفخر عندما أرى هذه النتائج تصدر من وطني الثاني، سلطنة عُمان؛ لأن الثقة تظل أعظم إنجاز يمكن أن تحققه أيُّ دولة. فالثقة تجذب الاستثمار، وتحرك الأسواق، وتُعزِّز الإنتاج، وتمنح الاقتصاد قدرة أكبر على النُّمو. وعندما تصل الودائع إلى (36.5) مليار ريال عماني، ويبلغ الائتمان (37.4) مليار ريال عماني، فإن الأرقام تعلن بوضوح أن سلطنة عُمان نجحت في بناء رصيد كبير من المصداقيَّة والاستقرار، وأن الحكومة تمضي في مسار اقتصادي يحصد ثماره عامًا بعد عام. وأعتقد أن قِيمة هذه الأرقام أنها تعكس مسارًا اقتصاديًّا مستمرًّا، وتؤكد أن ما تحقق اليوم يفتح المجال لما هو أكبر خلال السنوات المقبلة، وأن الأموال تعرف الطريق، وقد اختارت أن يكون هذا الطريق نحو اقتصاد عُماني يواصل صناعة الثقة وصناعة المستقبل.

إبراهيم بدوي

[email protected]