الجمعة 24 يوليو 2026 م - 9 صفر 1448 هـ

..وماذا بقي لنا بعد انتهاء شعيرة الحج؟! «1»

الأربعاء - 08 يوليو 2026 01:57 م
40

عزيزي القارئ.. استقرئ معك اليوم من باب التذكير موضوعًا رائعًا وهامًّا وهو بعد العودة من أداء فريضة الحج والفوائد من ذلك، وما ينبغي للحاج بعدها.. فالحمد لله والمنّة، قد انتهت شعيرة الحج على خير، وعاد الحجيج إلى ديارهم سالمين غانمين بإذن الله، ولنا أن نُعِيدَ ما يمكن الإفادة منه بعد انتهائها؛ ليبقى لنا حصنًا حصينًا، ودرسًا قويمًا يبقى معنا في سلوكنا؛ حتى يهلَّ عام آخر، ويأتينا زمنُ الحج من جديد، ونحن قد أفدْنا منه كثيرًا بهذا الزاد الذي نمضي به، ونرضي ربنا ـ جلَّ جلاله ـ من خلال المحافظة عليه، والعمل به، وتعليمه من خلال التطبيق لكل من حولنا من أهلنا، وزملائنا، ومن هم سيتصلون بنا، ويتعاملون معنا.

من ذلك أن الحج هو أكبر مؤتمر كوني، دولي، يمرُّ على الكون، فمهما التقتِ الأممُ المتحدة بكل دولها، وبكامل أعدادها لا يجتمع في مرة مَّا ألفُ شخص، أما مؤتمر الحج فيكون فيه بالملايين، وسَمَّاهُ الله فيضانًا، حيث قال:(ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ..)، وقال:(فَإِذَا أَفَضتُم مِن عَرَفَاتٍ فَاذكُرُوا الله عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ..)، وهذا المؤتمر يُخيف كلَّ أعداء الإسلام؛ حيث يرون فيه قوة هادرة، وقدرة فائقة ماطرة، وأخوة نادرة، وتكافلًا غير معهود في دنيا الناس، وتعاونًا لا تراه إلا عند المسلمين، وخصوصًا الحجيج الذي يأتون من كل بلاد العالم، وهم متعددو الألوان، والأجناس، والعادات، والتقاليد، ولأشكال، والثقافات، لكنهم قد جمعهم دين واحد، وشعيرة واحدة هي من أكبر شعائر الإسلام، وأكثرها اتساعًا لفهم مقاصده، وهضم أهدافه، وغاياته، ومعانيه.

ومنها أنه مؤتمرٌ يبيِّن وَحدة المسلمين، ومدى حرصهم على طاعة ربهم، وبذلهم الغالي، والرخيص، والطارفَ، والتَّلِيد في سبيل أن يمضيَ الحج على خير وجه، وأخلص أداء، وأكرم سلوك، وأقوى قدرة، وأعظم شكر، وأرق حمد لله تعالى، فهذه الوَحدة هي التي تأتي منها قوة المسلمين التي تُخيف أعداءهم، وتجعل لهم مكانة على الخريطة الدولية، ومقامًا عليًّا يخشاه الجميع، ويعملون له ألف حساب، ومن خلال شعيرة الحج يدرسون قوة المسلمين، ويتقربون إليهم؛ حيث يملك المسلمون العدة، والعَدَد، والعُدَد، والإمكانات كلها.

ومنها إنه مؤتمر ترون فيه كلَّ صور التآخي، والتواضع، والتكافل؛ فالملبس واحد، والزي من قطعتين، إزار، ورداء، ولا يتكبر أحدٌ فيرتدي غيرَهما مما يبيِّن مكانة صاحبه، وغِناه، فلو أن واحدا تنمَّر، ولم يلبس زيَّ الحج (وهو متلبس بالحج) لَمَا قُبِلَ منه، ولَعُدَّ مكروها بين الحجيج، إلا أن يكون قد أتى لِعَوْنِ أحدٍ، وليس للحج، فالزيُّ وحَّدهم، وجعلهم جميعًا كرجل واحد، ونَفْسٍ واحدة.

كما أن الوَحدة تتمثل في أنها (أي: أعمال الحج) أحكام واحدة، فالجميع يلتزم بها، ويحرص عليها بحذافيرها، لا يسقط منها شيئا، ويأتي بها على فَصِّها، وبكل دقة؛ طاعة لله، وعملًا على كسب رضاه، وابتغاء مغفرته، ونعماه، واستنزال رحماه، وعفوه، ورضوانه، وتام هداه، جل الله في علاه، ما لنا رب سواه.

ومنها أن الوَحدة تمثلت كذلك في أن الجميع يكون في تلبية واحدة، ويدعو الله بأدعية واحدة، فترى الجميع يلبي:(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).. بهذه التلبية التي كلها لإقرار، واعتراف لله، وخشوع له، وخضوع، مصحوب الدموع، الجميع يقر بها لله رب العالمين.

كما أن دعاء عرفة يحفظه الجميع، وهو:(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، وهو الدعاء الذي يغيظ إبليس، ويتصاغر أمامه، ويشعر بالندم على أن هؤلاء جميعًا سيغفر الله لهم، ويدخلهم جنته التي حرمها الله عليه وعلى كل كافر صاد عن سبيل الله، فيكون أصغر، وأحقر ما يكون.

كما أن كل شعائر الحج يقوم بها جميعُ الحجيج من: طواف، وسعي، ورمي للجمار، وبقاء في مِنَى أيام التشريق، والدعاء الواحد، والتلبية، وكلها أمور تبيِّن كم للحج من فوائد عظيمة تظل مع الحاج بعد عودته، فتؤكد له ضرورة التوحد مع من يعيش معهم، وعليه أن يكون واسع الصدر، يملك العفو عمن أخطأ في حقه، والاعتذار له، فيسعى إلى الوَحدة، وألا يخاصمه، ويترك أخوَّته، فالحج قد علَّمه قيمة الوحدة في كل شعائره، وكل أعماله، وأحكامه، حكمه، وكل مناسكه، وكل شعائره من لحظة خروجه من بلده حتى عودته إلى بلده، ووطنه من نسكه، وحجِّه، مغفورًا له، مبيضَّةً صحائفه، كريمًا على ربه، وأهله، وكل من حج معه، وتذوق جلال تلك الشعيرة، وكمال معناها، وجليل مغزاها، وتام عطائها، وسقياها.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]