دمشق ــ من وحيد تاجا:
تحت شعارٍ يفيض تفاؤلًا (الروح تكتب دستورًا جديدًا لعالم من الألوان والفرح)، استضاف المركز الثقافي العربي في أبو رمانة بدمشق معرض (مقامات الروح)، وهو المعرض الفردي الأول للفنانة التشكيلية إيمان الواسطي، ويقدم المعرض، الذي ضمَّ نحو خمسين عملًا، مشروعًا فنيًّا ينطلق من سؤال يبحث في العلاقة الوثيقة بين اللون والحالة النفسية، وبين التجريد وتجربة الإنسان مع الألم والشفاء والبحث عن الذات. يقوم المعرض على فكرة بناء مشروع بصري متماسك، تحاول الفنانة من خلاله تشكيل ما يشبه (مقامات) شعورية تستعير اسمها من المقامات الموسيقية. فتقنيًّا، نجحت (الواسطي) في توظيف تقنية الصب والتدفق اللوني أو الأكريليك السائل لبناء تكوينات تتسم بالحركة والانسياب، خدمت فكرة اللوحة وجوهرها. ورغم تنوع التكوينات واختلاف موضوعاتها، فإن وحدة التقنية تمنح المعرض تماسكًا بصريًّا واضحًا، يجعل الانتقال بين اللوحات بمثابة عبور بين حالات نفسية متجاورة. وتفسر الفنانة ظهور الخلايا والتأثيرات الدائرية المتناثرة وسط الألوان السائلة بأنها انعكاس لتقلب الحالة النفسية عند الإنسان، إذ لا ثبات للمشاعر بل هي متقلبة، تشكل دوائر تسير بحركة انسيابية غير محددة البداية أو النهاية، لتكون هذه الخلايا جزءًا بصريًّا من المقامات الروحية. تنطلق (الواسطي) من إيمان عميق بأن الفن يبقى الأثر الأجمل والأعمق في حياة الشعوب، وترى أنه كما تؤثر المقامات الموسيقية على إحساس المستمع وتنقله من البهجة إلى الحزن، كذلك تفعل الألوان بتأثيرها الخفي على وجدان المتلقي. ولا تتوقف الفنانة عند البعد الجمالي، بل تؤصل للتأثير السيكولوجي للألوان علميًّا، مؤكدة أن الألوان الدافئة كالأحمر والبرتقالي تزيد النشاط والحماس، بينما الأزرق والأخضر يهدئان الأعصاب ويساعدان على التفكير الواضح. وبناءً على هذا الأثر، تتحول اللوحة إلى رابط للحالة الذهنية، وملاذ آمن لمن أثقلته الحياة، يبوح بأسراره أمامها لتكون دواءً لجرح أو استعادة لذكرى جميلة. وتؤكد الواسطي أن التجريد مساحة مفتوحة لتعدد القراءات، واللوحة لا تكتمل إلا بالمتلقي الذي يعيد إنتاج معناها انطلاقًا من تجربته الخاصة. ومن بين الأعمال، يبرز حضور لافت لـ«مقام العزم»، الذي خصصت له الفنانة خمس لوحات كاملة (ومنها: جوانح الحرية، وروح مقاتلة)، ليعكس رؤيتها للتغيير بوصفه قرارًا داخليًّا موجعًا يقتضي إعادة النظر في الأفكار والمعتقدات الموروثة السابقة، وبناء أخرى جديدة تناسب الأهداف المستقبلية. وفي قراءة فلسفية لهذا الإصرار، تستشهد (الواسطي) بطرح الفيلسوف وعالم النفس الشهير فيكتور فرانكل في كتابه (الإنسان يبحث عن المعنى)، مؤكدة على أن الإنسان لا يستطيع التغلب على تحديات الزمن إلا بوجود هدف يسعى إليه، وهو ما لا يتحقق إلا بالعزيمة، والتحلي بإرادة صارمة وصبر لاجتياز المطبات.