الثلاثاء 07 يوليو 2026 م - 22 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : الجبل الأبيض.. وجهة سياحية واعدة

أضواء كاشفة : الجبل الأبيض.. وجهة سياحية واعدة
الثلاثاء - 07 يوليو 2026 03:19 م

ناصر بن سالم اليحمدي

10

تمتلك بلادنا الجميلة الكثير من مُقوِّمات السياحة العالميَّة بكافة أنواعها: الطبيعيَّة، والتاريخيَّة، والبيئيَّة، وسياحة المؤتمرات، والاستشفاء.. وغيرها؛ وهي مُقوِّمات جعلتها دولة سياحيَّة من طراز فريد، بالإضافة إلى ذلك، تمتلك طبيعة تستقطب السائح على مدار العام، مهما كانت ميوله وتوجُّهاته وذوقه؛ فهي تتميَّز بالتنوع البيئي والثقافي الذي ليس له مثيل في أيِّ دولة أخرى، وهو ما يجعل القطاع السياحي من الأهميَّة بمكان؛ إذ أصبح مصدرًا من مصادر الدخل الوطني، إلى جانب أنَّه وضعها في مصاف الدول ذات الكنوز الثقافيَّة والطبيعيَّة والتاريخيَّة المميزة.

والجبال في عُمان لم تكُن يومًا مجرد تضاريس شاهقة تعانق السماء، بل كانت صفحات مفتوحة من تاريخ الوطن، وحصونًا للطبيعة، ومواطن للاستقرار الإنساني منذ آلاف السنين، وشاهدًا حيًّا على قدرة الإنسان العُماني على التكيُّف مع بيئته وصناعة الحضارة في أصعب الظروف. ويُعَدُّ الجبل الأبيض إحدى أهمِّ الجواهر الكامنة التي تختزن في أعماقها كنوزًا طبيعيَّة وحضاريَّة، والذي رصدته عين القائد المُفدَّى المبصرة والفاحصة، فأصدر توجيهاته السَّامية لكي يأخذ مكانه المستحق على خريطة التنمية والسياحة في سلطنة عُمان. فجاء إسناد مشروع تصميم وتنفيذ طريق الجبل الأبيض بتكلفة تتجاوز ثلاثة عشر مليونًا وخمسمائة ألف ريال عُماني، ليحقق المطالبات والأُمنيات التي حملها أبناء المنطقة لسنوات طويلة، واستجابة كريمة للتوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي أولى الجبل الأبيض اهتمامًا خاصًّا إدراكًا لِمَا يمتلكه من إمكانات سياحيَّة واقتصاديَّة قادرة على أن تجعل منه إحدى أبرز الوجهات السياحيَّة الواعدة في السلطنة.

إنَّ كل عُماني لا ينظر إلى هذا المشروع باعتباره طريقًا إسفلتيًّا يربط القرى بعضها ببعض فحسب، وإنَّما يراه طريقًا إلى التنمية الشاملة، وجسرًا يعبر بالمنطقة من مرحلة العزلة الجغرافيَّة إلى فضاء الاستثمار والازدهار. فقد عانى أهالي الجبل الأبيض لعقود طويلة من صعوبة الوصول إلى قراهم، ومن الطرق الوعرة التي كانت تجعل أبسط تفاصيل الحياة اليوميَّة رحلة شاقَّة مليئة بالتحدِّيات. فكانت المدارس والمراكز الصحيَّة والأسواق والخدمات الأساسيَّة تحتاج إلى ساعات من السفر عبر المنحدرات والمسالك الجبليَّة، في الوقت الذي كانت فيه الأمطار كفيلة بعزل بعض القرى عن محيطها لأيَّام، وربَّما لأسابيع. ورغم هذه الظروف، ظل أبناء الجبل متمسكين بأرضهم، ومحافظين على إرثهم وعاداتهم، ومؤمنين بأن التنمية ستصل يومًا إلى قمم جبالهم.

إنَّ مشروع تصميم وتنفيذ طريق الجبل الأبيض سيسهم في تحسين جودة الحياة، وتيسير حركة المواطنين، وتعزيز وصول الخدمات الصحيَّة والتعليميَّة، ورفع كفاءة النقل، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا للسكان؛ وهو ما يُشكِّل حجر الأساس لأيِّ نهضة اقتصاديَّة أو اجتماعيَّة مستدامة. وتزداد أهميَّة المشروع بالنظر إلى موقع الجبل الأبيض الجغرافي الفريد، الذي يتوسط خمس ولايات تمتدُّ بين محافظات شمال الشرقيَّة وجنوب الشرقيَّة ومسقط؛ حيث يجاور دماء والطائيين وإبراء ووادي بني خالد وصور وقريات، ما يمنحه ميزة استراتيجيَّة تؤهله ليكون نقطة جذب سياحي تربط بين عدد من المسارات السياحيَّة الداخليَّة والخارجيَّة في السلطنة.

لا شك أنَّ ما يميِّز الجبل الأبيض أكثر من غيره هو ما حباه الله به من مُقوِّمات طبيعيَّة استثنائيَّة؛ فارتفاع قِممه التي تقارب ألفَي متر فوق سطح البحر يمنحه مناخًا معتدلًا في الصيف وباردًا في الشتاء، في وقت تبحث فيه الأُسر والسيَّاح عن وجهات تمنحهم تجربة مختلفة بعيدًا عن حرارة الصيف، وتزداد روعة المكان بما يضمُّه من أودية عميقة، ومنحدرات شاهقة، وسهول جبليَّة خضراء، وقرى متناثرة تحتفظ بملامحها التقليديَّة في لوحة طبيعيَّة آسرة، تُمثِّل عنصر جذب رئيسًا لعشَّاق الطبيعة والتخييم والمغامرات وتسلُّق الجبال والتصوير الفوتوغرافي.

كما تُشكِّل منطقة الحيل الكبير ومحميَّة السرين ثروة بيئيَّة فريدة، بما تضمَّانه من غطاء نباتي وعيون مائيَّة وأودية دائمة الجريان وموائل طبيعيَّة للوعول والغزلان العربيَّة والعديد من الكائنات الفطريَّة؛ وهو ما يجعل الجبل الأبيض مؤهلًا لأن يكون نموذجًا للسياحة البيئيَّة المستدامة التي تجمع بين الاستمتاع بالطبيعة والمحافظة عليها في الوقت ذاته.

وما يلفت الانتباه إلى هذا المَعْلم السياحي الفريد أنَّه لا يعتمد على جَمال الطبيعة وحده، بل يتميز بالتكامل بين البيئة والتراث والثقافة والتجربة الإنسانيَّة، فالجبل ليس مجرد مقصد طبيعي، بل هو متحف مفتوح يحكي قصَّة حضارة عُمانيَّة ضاربة في عمق التاريخ تمتد إلى أكثر من أربعة آلاف وخمسمئة عام؛ حيث كشفت الاكتشافات الأثريَّة عن مقابر برجيَّة وأوانٍ فخاريَّة ونحاسيَّة وآثار تعود إلى حضارة أُم النار، فضلًا عن شواهد تؤكد وجود علاقات حضاريَّة وتجاريَّة مع حضارات بلاد الرافدين منذ آلاف السنين. ناهيك عن انتشار الأبراج الحجريَّة والكهوف والبيوت التقليديَّة والمساجد القديمة التي تعكس عبقريَّة الإنسان العُماني في استثمار البيئة الجبليَّة وبناء مُجتمع متماسك حافظ على هُويَّته عبر القرون. وإلى جانب القِيمة الأثريَّة، يظل الموروث الشفهي حاضرًا بقوَّة من خلال الروايات والأساطير الشَّعبيَّة التي تناقلها الأهالي جيلًا بعد جيل، مثل قصَّة «كبير كب»، وهي حكايات تمنح المكان بُعدًا ثقافيًّا وإنسانيًّا يزيد من جاذبيَّته السياحيَّة.

لا شك أنَّ مثل هذه المشروعات ستنعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني؛ إذ ستفتح آفاقًا واسعة أمام القطاع الخاص للاستثمار في مجالات الضيافة والإيواء والخدمات السياحيَّة والنقل والمطاعم والأنشطة الترفيهيَّة. كما ستوفِّر فرص عمل جديدة للشباب العُماني، وتدعم المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، وتزيد من دخل الأُسر المنتِجة والحِرفيين والمزارعين ومُربِّي الماشيَّة، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز مستهدفات رؤية «عُمان 2040» القائمة على تنمية الاقتصاد غير النفطي.

لقد أثبتت التجارب العالميَّة أن المواقع التي تجمع بين الطبيعة الخلابة والتاريخ العريق هي الأكثر قدرة على المنافسة السياحيَّة. والجبل الأبيض يمتلك هذه المعادلة بكل تفاصيلها؛ فهو طبيعة آسرة، وتاريخ موغل في القِدم، وتراث إنساني حي، وموقع استراتيجي، ومناخ معتدل، وبيئة فطريَّة نادرة، وكلها مُقوِّمات تؤهله ليكون أحد أبرز المشاريع السياحيَّة المستقبليَّة في سلطنة عُمان، فالطريق الجديد سيجعل من الجبل الأبيض منارة سياحيَّة واقتصاديَّة وثقافيَّة تليق بمكانته في تاريخ السلطنة وجغرافيَّتها، ويترجم رؤية وطن يؤمن بأن التنمية الحقيقيَّة تبدأ من الإنسان وتمتد إلى كل شِبر من أرضه المباركة.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني