الثلاثاء 07 يوليو 2026 م - 22 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : خطاب الشراكة.. بوابة عُمان إلى المستقبل

في العمق : خطاب الشراكة.. بوابة عُمان إلى المستقبل
الثلاثاء - 07 يوليو 2026 03:18 م

د.رجب بن علي العويسي

يأتي حديثنا عن خطاب الشراكة متزامنًا مع اختتام أعمال ملتقى «معًا نتقدَّم»، الذي نفَّذته الأمانة العامَّة لمجلس الوزراء الموقَّر يومي الثامن والتاسع من فبراير (2026)م، وسط حضور مهيب ضمَّ مختلف شرائح المُجتمع. شكَّل الملتقى رابطة وطنيَّة ولُغة جامعة، التقت فيها السياسات بالخطط والبرامج، والحكومة بالقطاعات والمؤسَّسات، واجتمع المواطنون مع متِّخذي القرار في مشهد عكس روح المسؤوليَّة المشتركة، بما حمله من دلالات عميقة تجاوزت حدود المناسبة إلى آفاقٍ أرحب من المسؤوليَّة الوطنيَّة.

ولقد أكد هذا الحدث أن خطاب الشراكة الذي رسَّخه الملتقى لا يُعَدُّ محطَّة عابرة، بل يُشكِّل بوَّابة حقيقيَّة لبناء عُمان المستقبل، ومدخلًا استراتيجيًّا لصياغة مرحلة جديدة في مسار التنمية. كما يُمثِّل منطلقًا لإعادة ترسيخ مفهوم المسؤوليَّة الوطنيَّة باعتبارها مسارًا تشاركيًّا يجمع الدولة والمُجتمع والمؤسَّسات والمواطنين، حيث تتكامل الأدوار، وتتوزع المسؤوليَّات في إطار وطني جامع يضع المواطن في قلب الاهتمام، ويجعل من التعاون أساسًا لصناعة التحوُّل، ومواجهة تحدِّيات المرحلة، وصناعة فرصها.

على أن بناء مسار أكثر عمقًا للمسؤوليَّة والشراكة الوطنيَّة يبدأ بخطاب واعٍ لطبيعة المرحلة، خطاب لا يقتصر على مفرداته اللُّغويَّة أو أساليبه البلاغيَّة، بل يتجسد في ممارسات عمليَّة تُحيي الأمل، وتبني الثقة، وتبسِّط الإجراءات، وتفتح نوافذ الحوار، وتمنح المواطن مساحة حقيقيَّة للتعبير عن رأيه والمشاركة الفاعلة بأُطروحاته ووجهات نظره. ويُعزِّز الاستجابة الوطنيَّة والتفاعل الاجتماعي الإيجابي، ويولد حسًّا مشتركًا بالقوَّة والمسؤوليَّة. كما يصنع شراكة مؤسَّسيَّة فاعلة قادرة على تقديم بدائل واقعيَّة للتحدِّيات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ويؤسِّس لحلول مستدامة تقوم على رؤية ثابتة وسياسات طويلة الأمد، تجنِّب المُجتمع دوامة التكرار وتعقيد المعالجات، لتتجسد في الواقع أثرًا يبقى، وسياسات تنضج، وخدمات ذات جودة، وقرارات منسجمة مع تطلُّعات المُجتمع.

وعندما يستحضر خطاب الشراكة الوطنيَّة هذه المعاني الجليلة والغايات السَّامية، فإنَّه يصنع التحوُّل المنشود، ويؤسِّس لمفهوم عملي أعمق للمسؤوليَّة، لبناء نموذج حضاري لعُمان المستقبل، تتجسد تفاصيله في سلوك المواطن، مسؤولًا كان أو موظفًا أو مستفيدًا من الخدمة، كما تنعكس في أداء المؤسَّسات من حيث جودة الخدمات ووضوح الأدوات وكفاءة المعايير وتعزيز الثقة بالمستفيد. خطاب يتغلغل في قناعة أبناء المُجتمع قولًا وفعلًا، لا مجرد ظاهرة صوتيَّة عابرة تستهدف التأثير الوقتي في الرأي العام أو صرف الاهتمام عن الأولويَّات الحقيقيَّة؛ وعندها تبرز إنتاجيَّة هذا الخطاب وما يصنعه من شراكة مؤسَّسيَّة فاعلة على مستوى الاستجابة الوطنيَّة والتفاعل الاجتماعي الإيجابي، وترسيخ الحسِّ المشترك الذي يبني القوَّة ويحفِّز المنافسة ويقدِّم بدائل وحلولًا واقعيَّة للتحدِّيات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والمعيشيَّة. وهي استجابة ينبغي أن تتَّسم بالاستدامة والثبات والاستمراريَّة، وليست محطَّة وقتيَّة لا تلبث أن تتراجع فتزيد المُشْكلة تعقيدًا، وتعيد الواقع إلى نقطة البداية دون تقدُّم يُذكر.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى نهضة فكريَّة ترتقي بمنهج الحوار وتؤصِّل ثقافة الشراكة وترتقي بمفهوم المسؤوليَّة والأمانة الوظيفيَّة، وتلتزم ثبات الإجراءات وحوكمة الأدوات، وكفاءة المعايير، وعدالة القرار، وتستثمر القواسم المشتركة بين الدولة والمُجتمع. وعندها تصبح المسؤوليَّة الوطنيَّة محصلة تفاعل المواطن بمبادراته الفرديَّة، وعمله التطوعي، وإسهامه الاجتماعي، مع جهود المؤسَّسات في القطاعين العام والخاص. وعندما تتناغم هذه الجهود، تصبح النتائج معبرة عن الطموح، والعمل منسجمًا مع الهدف، ويتحول الإنجاز إلى انعكاس صادق لإرادة المُجتمع بأسْره وحرصه على التزام الروح الجمعيَّة.

غير أن هذه المسؤوليَّة تتطلب فكرًا متجددًا وروحًا معطاءة وضميرًا حيًّا، قادرًا على قراءة التحوُّلات المتسارعة التي تؤثِّر في تشكيل وعي المواطن وهُويَّته. فالعالم اليوم يتغير بوتيرة سريعة، وتتراكم المؤثِّرات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ما يستدعي استباق الأحداث، وفهم الهواجس، وفتح منصَّات حوار حقيقيَّة مع المواطن، تُوضح له موقعه في مسار التحوُّل، ودوره في توجيهه واستثماره. بما يعنيه ذلك من إعادة انتاج الواقع الوطني، وتَبنِّي بدائل وأُطر واستراتيجيَّات تقوِّي من فِقه المسؤوليَّة، وتُعظِّم من قِيمة الشعور الجمعي بالواجب الوطني بما تفرضه من مسار الاستباقيَّة في قراءة الأحداث، والدخول في العمق الوطني عبر استدراك التحوُّل في فقه المواطن العُماني والتفاعل مع ما يحمله من هواجس وشجون وظروف، وفتح منصَّات الحوار والتواصل معه، وتوضيح الصورة الأخرى للمواطن وموقعه من هذه التحوُّلات ودوره في تقنينها وضبطها والتثمير فيها وحُسن توجيهها.

إنَّ ترسيخ خطاب الشراكة المسؤولة يعني بناء علاقة ثقة متبادلة، يشعر فيها المواطن بأنَّه شريك في الحفاظ على سقف التوقُّعات الوطنيَّة، وأن المؤسَّسات تراعي احتياجاته ضمن أُطر قانونيَّة واضحة. وهو ما يقتضي تكاملًا بينيًّا بين مختلف القطاعات، وانطلاقًا من المشتركات باعتبارها مدخلات لتقاسم المسؤوليَّات وتعظيم قِيمة العمل الجمعي أداة لمواجهة التحدِّيات في كونه رهان التنمية وأداة التغيير وروحه النابضة في رسم استحقاقات النجاح، وهو ما يجب أن يظهر في تعظيم مبدأ الشراكة الفعليَّة بين المؤسَّسات واستحضار الأخيرة لفِقه المواطن في كل توجُّهاتها فتراعي متطلباته وتُلبِّي احتياجاته. لذلك كُلَّما ارتفع مستوى التنسيق بين المؤسَّسات، وتناغمت القرارات مع المبادئ الوطنيَّة التي أكَّدها النظام الأساسي للدولة، وتعزّزت جودة الخدمات وروح المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، زادت ثقة المواطن، وتراجعت الممارسات السلبيَّة كالمحسوبيَّة والفوقيَّة والمصالح الضيِّقة. لأنَّ الجميع يضع الوطن ـ الإنسان ـ المحك الذي تدور حوله كل الجهود وتتجه إليه كل المبادرات.

إنَّ تكييف الواقع مع متطلبات المرحلة وظروف المواطن وأولويَّاته يستدعي تكامل أدوار المؤسَّسات والتزامها بالمبادئ الوطنيَّة، بما يسهم في تحقيق الاستقرار ورفع مستوى المعيشة، وتقليل هواجس المستقبل. ومن هنا لا يمكن حصر معالجة الوضع الاقتصادي في جهة واحدة أو وزارة بِعَيْنِها؛ فملفات الباحثين عن عمل، والمسرَّحِين من القطاع الخاص، ومخرجات التعليم، والتنويع الاقتصادي، وغيرها، قضايا وطنيَّة تتطلب شراكة فاعلة ومسؤوليَّة مشتركة. والجميع معنيّ بالبحث عن بدائل وحلول عمليَّة تُطرح في إطار وطني منسجم مع السياسات العامَّة للدولة. كما تبرز أهميَّة استثمار المتغيرات والفرص والتحدِّيات لبناء نموذج وطني قائم على شراكة مستدامة ومسؤوليَّة ناضجة، ترتكز على فهم عميق للواقع وإدراك شامل لمُكوِّناته باعتباره مدخلًا استراتيجيًّا لتعزيز الصورة الوطنيَّة، مع توظيف منصَّات التواصل الاجتماعي والفضاء الرَّقمي في صياغة سياسات تنمويَّة متناغمة تستفيد من جميع الشركاء. فلا يمكن إقصاء هذه الفضاءات عن تشكيل الوعي العام، ولا تهميش دور الطلبة والشباب في صناعة الفكر الوطني؛ فالتكامل بين الأجيال، والتوازن بين التطوير والحفاظ على الهُويَّة، هو الضامن لنهضة مستدامة.

وفي سبيل معالجة جادَّة للتحدِّيات الاقتصاديَّة والتحوُّلات الاجتماعيَّة، تبرز الحاجة إلى مراجعة القوانين والسياسات التي تمسُّ حياة المواطن اليوميَّة، والتعامل مع الملفات والقضايا المطروحة بوعي وجديَّة وشفافيَّة، مع الاستماع لما يُطرح بشأنها في منصَّات الإعلام الرَّقمي. وهي الغاية التي جاء من أجلها ملتقى «معًا نتقدَّم»، ليقدِّم تجربة وطنيَّة فريدة في أدواتها وأساليبها ومنهجيتها، تؤمن بالمشتركات، وتجعل من الحوار منصَّةً للبناء وخيارًا للقوَّة.

إنَّ تنوع الآراء حول هذه القضايا ظاهرة صحيَّة، تؤسِّس للتنوع في الأفكار والمدخلات، والتوسُّع في الحلول والخيارات المتاحة للمعالجة، وتعكس حيويَّة المُجتمع وحسَّه الوطني، شريطة أن يُدار هذا التنوع في إطار من المسؤوليَّة والوعي. فالاختلاف محطَّة للتكامل، ومدخل للحل، ومنطلق لتصحيح وجهات النظر، ومساحة للإبداع والابتكار وإبداء وجهات النظر حول القضايا المطروحة، بما يستوعب أجندة العمل الوطني ويتعايش مع التوقعات. فإن فرص الحوار أوسع ممَّا يظنُّه البعض، وروح القانون والنظام الأساسي للدولة منحت مساحة مسؤولة لحُريَّة التعبير، تُعزِّز التكامل والترابط الوطني، وتدعم فرص النجاح والإنجاز في إطار الثوابت الوطنيَّة.

وعليه، فإن تجسيد هذه الطموحات المُجتمعيَّة وتعزيز الثقة في الأداء الحكومي يقتضي انفتاح القرار الوطني على الثقافة المُجتمعيَّة، وإيمان المسؤول الحكومي بقِيمة الرأي الآخر والثقافة المضادَّة وثورة الأقلام والأفكار النقديَّة كداعم للتغيير، والاستفادة من فكر الشباب واحتوائه وتحليل ما يُطرح من مقترحات وملاحظات، خصوصًا ما يتصل منها بالقرارات المؤثِّرة في معيشة المواطن. كما تبرز الحاجة إلى إطار وطني للدراسات الاستشرافيَّة، ومراكز مستقلَّة ومحايدة لقياس الرأي العام، تتولى تحليل ردود الأفعال وتقييم السياسات بصورة مستمرة، بما ينسجم مع التحوُّلات ويُعزِّز كفاءة الأداء وجودة القرار.

أخيرًا، يبقى خطاب الشراكة الذي جسَّده ملتقى «معًا نتقدَّم» وغيره من الأُطر والمبادرات والتوجُّهات الوطنيَّة السَّاعية إلى حوكمة مسار الشراكة وتعظيم أثَره وتقوية منابره، بوَّابة عُمان إلى مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا؛ مستقبل تتلاقى فيه الإرادات، وتُصان فيه الهُويَّة، وتُبنى فيه الإنجازات بسواعد الجميع، شركاء في النجاح وشركاء في المسؤوليَّة وبناء الوطن، لتبقى عُمان الأبيَّة قصَّة نجاح يكتبها أبناؤها بإخلاص ومسؤوليَّة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]