كان الناس في جبال ظفار يعرفونه باسم «محمد»، ذلك الفتى اليتيم الذي لم يكن يملك من الدنيا سوى عدد من الأغنام، يرعاها بين الجبال والسهول، ويقتات من حليبها، وينتقل بها من مرعى إلى آخر.
لم يكن الفقر هو أكثر ما يؤلمه، بل شعوره بأن المجتمع لا يمنحه ما يستحقه من احترام وتقدير.
وكان بعض الناس ينادونه بصيغة التصغير، وكأن اليتم والفقر ينقصان من قدر الإنسان.
وكان ذلك في أوائل ستينيات القرن الماضي، حين بدأت دول الخليج تشهد بدايات الطفرة النفطية، بينما كانت سلطنة عُمان لا تزال تعيش ظروفاً معيشية صعبة.
وذات يوم التقى مجموعة من الرجال يستعدون للهجرة، فسألهم:
«إلى أين أنتم ذاهبون؟»
قالوا:
«نبحث عن حياة أفضل وفرص أوسع.»
اتخذ «محمد» قراره بالسفر، وترك أغنامه في رعاية أخيه «مسعود»، وسافر وحيدًا إلى دولة قطر، مؤمنًا بأن الفرص قد تنتظر الإنسان خارج المكان الذي نشأ فيه.
وفي قطر استقر به المقام، واجتاز اختبارات القبول في القوات المسلحة، فالتحق بالجيش.
وسرعان ما لفت الأنظار بانضباطه وإتقانه، فوقع عليه الاختيار ليكون ضمن فرقة الموسيقى العسكرية.
هناك بدأت رحلته الحقيقية مع التميز.
أصبح «محمد» من أبرز أفراد الفرقة، ثم تولى قيادتها في الاحتفالات الرسمية.
وكان يمسك عصا القيادة، يقذفها بخفة إلى أعلى ثم يلتقطها بثقة وسط إعجاب الحاضرين.
وفي أحد العروض الكبرى، وأمام حشد غفير، قذف العصا إلى أعلى، لكنها سقطت على الأرض.
ظنَّ الجميع أن العرض قد تعثر، لكنه واصل السير بثبات وكأنَّ شيئًا لم يحدث.
وعندما وصل إلى النقطة المحددة، رفع العصا بحركة بارعة بقدمه، فارتفعت في الهواء، والتقطها بيده في لحظة خاطفة، دون أن يختل إيقاع الفرقة.
دوى التصفيق في المكان، وتحول ذلك الموقف إلى شاهد على سرعة بديهته ورباطة جأشه وإتقانه لفنه.
ومع مرور السنوات، ترقى محمد حتى أصبح ضابطًا معروفًا، واكتسب مكانة مرموقة في المجتمع القطري. ثم استقدم أسرته، وشجع أخاه مسعود على اللحاق به، واستقروا جميعًا هناك.
كبر أبناؤه، وتعلموا، وتولوا مناصب مرموقة، وأصبح اسم الأسرة معروفًا بالنجاح والاحترام.
ولم ينس محمد حبه القديم للأغنام والإبل، فعاد إلى اقتنائها بعد أن استقرت حياته، وأصبحت عزبته مقصدًا للأصدقاء ومحبي البر، يجتمعون فيها لشرب الحليب والاستمتاع بجمال الصحراء، بينما كان يستقبلهم بكرم وتواضع، وقد جمع بين نجاح الحاضر ووفائه للماضي.
إن قصة «محمد» تذكرنا بحقيقة مهمة: لا تبقَ في مكان لا يمنحك التقدير، ولا تستنزف عمرك في بيئة لا ترى قيمتك.
فإذا أُغلقت أمامك الأبواب، فابحث عن أبواب أخرى، وإذا ضاقت بك السبل، فتذكر قول الله تعالى:
«وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً»، إن الأرض واسعة، والفرص لا تنتهي، ورزق الله لا تحده الحدود.
قد تكون الخطوة التي تخشاها اليوم هي بداية حياة جديدة، ومكانة لم تكن تتخيلها.
خذ من محمد درسًا لا تنساه: لا تبحث فقط عن الرزق، بل ابحث عن المكان الذي يعرف قيمتك، ويمنحك الفرصة لتطلق إمكاناتك.
فالأرض كلها أرض الله، وأينما سرت متوكّلًا عليه، وجدت من فضله مراغمًا كثيرًا وسعة.
د.أحمد بن علي المعشني
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية