ينطلق طرحنا لهذا الموضوع من التساؤل: كيف يمكن توظيف مفردة الصيف والإجازة الصيفيَّة في تعزيز البناء الأُسري وتمكين أثره في الترابط الاجتماعي؟ في ظل ما تُمثِّله مفردة الصيف من حالة خاصَّة في قاموس السلوك الاجتماعي؛ نظرًا للميزات التنافسيَّة التي تتميز بها عن غيرها من الأوقات، والتي تُشكِّل مساحة أمان لتعظيم قدر الأُسرة وتأكيد حضورها في فِقه البناء المُجتمعي والتطوير الاجتماعي.
ذلك أنه إذا كان للصيف طبيعته الخاصة وهُويَّته التي تُميِّزه عن غيره من الأوقات، فإن تأكيد مسار الترابط والتكامل في توجيه خيارات الصيف نحو الأسرة يتأكد اليوم بدرجة أكبر من أيِّ وقت مضى؛ نظرًا لأن الغاية من بناء الأسرة وتعظيم أثرها وتأكيد حضورها في حياة الأبناء إنما تستند إلى حُسن استثمار الفرص المتاحة، والاستفادة منها في كل ما من شأنه تقوية الترابط الأُسري وصناعة الأثر الاجتماعي الإيجابي. وهذا الأمر يرتبط في جوهره بطبيعة الممارسة اليوميَّة، ومستوى الوعي الذي تؤصِّله في سلوك المخاطبين، ومدى قدرتها على استغلال وقت الفراغ في زيادة هذا الترابط، بالإضافة إلى توجيه التفاعلات اليوميَّة داخل الأسرة بين الأبناء والأبوين والمُجتمع لصالح تقريب الصورة الأسريَّة النموذجيَّة في حياة الأبناء، بحيث يتمُّ توجيه جميع المعطيات والمؤثرات والعوامل المحيطة بالسلوك الجمعي نحو تعظيم هذا الهدف وترقية السلوك المعبِّر عن القدوة والمثال والنموذج، لمزيدٍ من الطمأنينة والاستقرار.
وبالتالي فإنَّ الصيف يُسهم في تقوية فرص الحوار الأُسري والنقاش الهادئ، وتعظيم فرص اللقاءات والتجمعات العائليَّة والأُسريَّة، ويصبح الوالدان أقرب إلى أبنائهما؛ ذلك أنَّ المساحة المتاحة للأبناء في فترة الصيف للقاء الخيارات الأُسريَّة، ووقت وجودهم في البيت بصحبة الوالدين، لفرضيَّة أنَّهما في غير هذه الأوقات منشغلان بأعمالهما الرسميَّة والتزاماتهما اليوميَّة، تجعل من الصيف لُغة جامعة ومساحة أمان تُعِيد رسم الصورة الجديدة للعلاقات الأُسريَّة، وترفع من سقف التوقَّعات الاجتماعيَّة في تقديم نماذج ملموسة في هذا الملف. وهذه الصورة الجديدة لممكنات التقارب لا شك بأنَّها ستوفر الكثير من النجاحات لضمان تقوية عناصر هذا البناء، كما تزيل الكثير من الأسباب التي كانت تؤدي إلى هشاشة العلاقات أو ضعفها نتيجة الانشغال أو ضيق الوقت أو عدم الاهتمام.
إنَّ من بين الأمور التي تضعنا أمام فرصة نجاح يمكن أن يصنعها الصيف في حياة الكثير من الأُسر التي تبحث عن أمان داخلي يحتويها، وفرص احتواء تجمع أفرادها، يكمن في استشعار القِيمة المضافة التي يحملها الصيف في حياة الأُسرة، والتي تجعل من الإجازة الصيفيَّة فرصة نجاح لبناء الأُسرة وترميم التصدُّعات التي قد تعيشها، وتُعزِّز الممكنات النفسيَّة والفكريَّة التي ترفع سقف الفرص النوعيَّة المتحققة منها، والتي ستظهر على السلام الداخلي للأُسرة، وقدرتها على التكيُّف مع المعطيات والاستجابة المؤطرة للتحدِّيات وفهم العلاقات، وتقديم نموذج أُسري يحفظ للأُسرة كيانها، ويُعزِّز حضورها في المُجتمع، كما يؤسِّس لمرحلة متقدمة تبرز الدور القادم الذي تقوم به الأُسرة في صناعة التغيير الاجتماعي.
ومن هنا يمكن الإشارة إلى عدد من الموجِّهات المهمَّة في هذا الجانب:
• استشعار الجميع لِمَا يعنيه فصل الصيف من فرص نجاح ومحطَّات تأمل تساعد الأُسرة على لملمة الشتات، وتوظيف الإجازة الصيفيَّة في الانطلاقة الأُسريَّة من أجل تقديم نموذج أُسري يضمن للأبناء بيئة مستقرَّة وآمِنة. وهذا أمر يرتبط بالقِيمة المضافة التي تعنيها الإجازة الصيفيَّة، وكيفيَّة توظيفها والتخطيط لها، ووضع الأُسرة باعتبارها المحرِّك الرئيس لهذا التحوُّل القادم.
• مساحة التخطيط والتنظيم التي ترافق الإجازة الصيفيَّة؛ فكلَّما اتسمت الصورة الجديدة في قراءة الإجازة الصيفيَّة بالتخطيط السَّليم والتنظيم النوعي والتقنين الذي يضمن نمو الفرص والتوسُّع في الخيارات، وعبر توسيع الشراكة الأُسريَّة وتقديم الخيارات البديلة التي تمكِّن الأبناء من المشاركة في رسم صورة الإجازة وكيفيَّة استغلالها الاستغلال الحسن، وتنمية فرص بناء الرأي الآخر والتفكير خارج الصندوق، والمسارعة في تقديم الحلول للتحدِّيات المرتبطة بالإمكانات الماليَّة والإداريَّة، فإنَّ ذلك سيُعزِّز حُسن استغلال هذه الإجازة في تقوية الترابط الأُسري.
• إيجاد قناعات متجدِّدة لدى الأبناء بأنَّ الصيف لا يعني بالضرورة السفر إلى الخارج، فقد لا يتمكن الكثير من الأُسر من تحقيق ذلك بسبب الضغوطات الماليَّة والالتزامات اليوميَّة التي ترفع سقف المصروفات الأُسريَّة. ولذلك تتَّجه الأنظار، في ظل مساحات الحوار الأُسري، إلى البحث عن بدائل جديدة تضمن الجمع بين متعة الاستجمام والتنزه وإتاحة مساحات الراحة للأبناء وأفراد الأُسرة. وهذا يعني أنَّنا بحاجة إلى مرحلة متقدمة في توعية الأبناء، والجلوس معهم لاستيعاب ما تعنيه مفردة الصيف، وقراءة مفاهيم الصيف وتجديدها، وإدخال مصطلحات أخرى ترتبط بالسلوك اليومي والقِيَم الاجتماعيَّة والتجارب الواقعيَّة.
• تُمثِّل الإجازة الصيفيَّة فرصة للأبناء في التعمق في الفرص التي يحملونها، وإعادة إنتاجها في ظل متابعة لحجم التطور الحاصل فيها من قبل الوالدين؛ فهذه الفترة من الزمن يمكن أن تكون فرصة مهمَّة لاكتشاف مواهب الأبناء وتنمية قدراتهم، من خلال إشراكهم في برامج ثقافيَّة أو تطوعيَّة أو رياضيَّة أو مهاريَّة، تخرج بهم إلى العالم الاجتماعي وتضعهم في مواقف اختبار عمليَّة، تسهم في صقل شخصيَّاتهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وفي الوقت ذاته تفتح أمام الأُسرة مساحة جديدة للتقارب عبر مشاركة الأبناء اهتماماتهم وتشجيعهم على الإنجاز والإبداع، لتكون بمثابة بدائل داعمة وحلقات متصلة وخيوط التقاء تتناغم مع طموحات الأبناء ورغباتهم، وشعورهم بأنهم قد حققوا أُمنياتهم في صيف هادئ ممتع يمنحهم قدرًا كبيرًا من اللعب والاستمتاع والاسترخاء.
• إنَّ الصورة التي ترسِّخها الأُسرة في العقل الباطني لأبنائها هي مَن تُحدِّد مستوى استفادتهم من هذه الفترة أو الإجازة في إعادة تشكيل وبناء شخصيَّتهم نحو الآخر أيضًا، وبالتالي من المهمِّ كذلك أن تدرك الأُسرة أن نجاح الصيف لا يقاس بكثرة المصروفات أو نوعيَّة الأماكن التي يتمُّ ارتيادها، بقدر ما يقاس بحجم الأثر النفسي والاجتماعي الذي يتركه في نفوس الأبناء. فقد تبقى جلسة أسريَّة دافئة، أو رحلة داخليَّة بسيطة، أو حوار هادئ بين الوالدين والأبناء، أكثر أثرًا وعمقًا من كثير من المظاهر الشكليَّة المرتبطة بالإجازات المكلفة. كما أن استثمار الصيف في تعزيز ثقافة العمل والمسؤوليَّة لدى الأبناء يُعَدُّ من الجوانب المهمَّة التي ينبغي الالتفات إليها، وذلك عبر تدريبهم على تحمُّل بعض المسؤوليَّات المناسبة لأعمارهم، وتنظيم أوقاتهم، والمشاركة في الأعمال التطوعيَّة أو المُجتمعيَّة، بما يُعزِّز فيهم روح المبادرة والانتماء والاعتماد على النفْس.
• تعزيز ضبط العلاقة بين السلوك اليومي للأبناء وتقنين استخدام التقنيَّة والفضاءات المفتوحة أحَد أهمِّ مكاسب الإجازة الصيفيَّة، والتي يفترض أن تعالجها الأُسرة في إطار العمليَّات التي أشرنا إليها مسبقًا؛ لضمان علاقة مستديمة للأبناء بالواقع الأُسري والروح الاجتماعيَّة والعائليَّة التي تصنعها الأُسرة في حماية أبنائها من المؤثرات غير المنضبطة، والتي باتت تؤدي فيها هذه الألعاب الإلكترونيَّة والمنصَّات الاجتماعيَّة دور الاستحواذ. فإن الإفراط في الانشغال بالأجهزة الإلكترونيَّة ووسائل التواصل الاجتماعي خلال الصيف قد ينعكس سلبًا على العلاقات الأُسريَّة، ويزيد من العزلة والانطواء وضعف التفاعل الحقيقي بين أفراد الأُسرة، الأمر الذي يتطلب من الوالدين وضع برامج متوازنة تراعي أهميَّة الترفيه الرقمي دون أن يكون على حساب العلاقات الإنسانيَّة المباشرة.
أخيرًا، تبقى الإشارة إلى أن بناء أُسرة متماسكة يجب أن يكون مشروعًا حضاريًّا وطنيًّا، يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الأبناء في الحياة اليوميَّة، ويستمر عبر موجِّهات تخطيطيَّة وإثرائيَّة ورقابيَّة وتوعويَّة وتنظيميَّة وقِيَميَّة وأخلاقيَّة وبرامج عمل؛ لذلك لا ينبغي أن يرتبط بوقت معيَّن، إلَّا أنَّ التأكيد على الصيف يرتبط بخطورة وخصوصيَّة هذه الفترة الزمنيَّة التي يعيشها الأبناء عندما تغيب فيها أُسُس الرقابة والمتابعة، ويتراجع فيها دور التعليم والتعلُّم، ويتعثر فيها الخطاب الأبوي والتربوي عن تقديم أدواته الصحيحة، ويمنح الصيف هذا المشروع مساحة زمنيَّة أوسع، وفرصة أكثر عمقًا لإعادة ترتيب الأولويَّات وتجديد العلاقات وإحياء روح الألفة والمودَّة داخل البيت الأُسري. فإنَّ الرهان الحقيقي على كفاءة الاستثمار الأمثل للإجازة الصيفيَّة والاحتواء العائلي هو الطريق لصناعة الأثر، وتحويل هذه الفترة إلى محطَّة تربويَّة واجتماعيَّة وثقافيَّة تسهم في بناء إنسان أكثر توازنًا، وأُسرة أكثر ترابطًا، ومُجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.
د.رجب بن علي العويسي