في هذه الأيام نلاحظ أن الكثير منا يقضي أسابيع كاملة يخطط لرحلته القادمة، يقارن أسعار الفنادق، ويبحث عن أفضل المطاعم، بل ويرتب مساره اليومي في رحلته لكنه لا يخطر بباله أن يمر على عيادة طبيبه قبل أن يحزم حقائبه، وكأن صحته أمر مفروغ منه، بينما كل التفاصيل الأخرى تستحق كل هذا الاهتمام، والغريب أن هذا الإهمال البسيط قد يكون السبب في تحويل رحلة الأحلام إلى كابوس (إن صح لي التعبير!).
خصوصًّا وإن الدراسات الطبية بيّنت أن ما بين عشرين إلى أربعة وستين بالمئة من المسافرين في معظم دول العالم يصابون بمشكلة صحية ما أثناء تواجدهم خارج بلدهم، وحقيقة السبب هنا بسيط، فالانتقال إلى بيئة جديدة يعني بشكل واضح مواجهة مسببات أمراض لم يعتد عليها الجسم من قبل، أضف إلى ذلك تغيرات مناخية، بل وأحيانًا أنظمة رعاية صحية مختلفة عما هو مألوف في أرض الوطن!.
ولأن هذا ليس مجرد كلام نظري أذكره للتخويف، لكن عندما تتابع من حولك ستلاحظ أن من حصلوا على استشارة طبية قبل سفرهم كانوا أقل عرضة بشكل واضح للإصابة بأمراض مرتبطة بالسفر مقارنة بمن لم يفعلوا، بل إن دراسة أوروبية تابعت مسافرين على مدى سنوات، ووجدت أن الذين استشاروا طبيبهم قبل السفر كانوا أقل إصابة بالملاريا والتهاب الكبد - على سبيل المثال.
وهنا لست بصدد لوم الناس، ولكنها الصورة الشائعة عن الفحص الطبي قبل السفر، حيث أضحى في أذهان الناس على أنه فقط أخذ إبرة تطعيم أو اثنتين، بينما الحقيقة مختلفة! تلك الاستشارة حقيقة هي تقييم كامل لحالة المسافر بالنسبة لوجهته، فمريض السكري المتجه إلى منطقة استوائية بعيدة عن أي مستشفى، له احتياجات مختلفة كليًّا عن شخص سليم يقصد عاصمة أوروبية مزدحمة بالمرافق الصحية، وحتى الأدوية التي اعتاد عليها المسافر يوميًّا قد تحتاج إلى تعديل بسيط في التوقيت أو الجرعة بسبب فروق التوقيت أو تغير نمط الحياة أثناء الرحلة، وفعلًا هذا تفصيل صغير قد يتجاهله كثيرون لكنه واقعيًّا يحدث فرقًا كبيرًا لعلنا ندركه جميعًا!.
وهنا يحضرني مثال بسيط: ألا وهو إسهال المسافرين، وهي مشكلة شائعة تصيب نسبة كبيرة ممن يعودون من الخارج، وليس لها لقاح فعّال حتى الآن، وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها بصراحة، لكن الدراسات تشير إلى أن من حصلوا على استشارة طبية قبل سفرهم كانت مدة إقامتهم في المستشفى، إن احتاجوا لذلك أقصر، وحاجتهم لاستشارة أخصائي الجهاز الهضمي أقل، وكانوا أكثر التزامًا بأخذ لقاحات مهمة أخرى مثل: التهاب الكبد (أ) والتيفوئيد، وعليه فالاستشارة قد لا تمنع كل شيء، لكنها تمنحك أدوات أفضل لمواجهة ما قد يحدث، وهذا فرق بين رحلة تدار بوعي وأخرى تترك بالكامل للصدفة.
وإذا كنت تظن أن هذا الكلام موجه فقط لكبار السن أو المرضى المزمنين، فتذكر أن كبار السن، ومرضى القلب، والحوامل، والأطفال، جميعهم فئات تحتاج اهتمامًا أكبر قبل أي سفر، وبالنسبة لكبار السن ومرضى القلب خصوصًا، هناك خطر حقيقي وقد لا يخطر ببال الكثيرين، وهو تجلط الأوردة العميقة الناتج عن الجلوس لساعات طويلة دون حركة أثناء الرحلات الطويلة، وهو خطر يمكن تقليله بشكل أكبر بنصائح بسيطة مثل: الحركة الدورية أثناء الطيران أو ارتداء جوارب ضاغطة عند الحاجة، لكن لن يخبرك بذلك ما لم تسأل طبيبك أولًا!.
ختامًا.. السفر تجربة تستحق أن تستعد لها، ليس فقط بحجز الفنادق وشراء الهدايا وتنسيق المسار، بل بحماية أنفسنا فعليًّا قبل أن نغادر، فزيارة الطبيب قبل السفر ليست إجراء روتينية كما يظن الكثيرون، بل هي استثمار حقيقي في صحتك، يمنحك راحة بال تجعلك تعيش رحلتك كما يجب أن تكون، لا صراعًا مع مفاجآت صحية كان يمكن تفاديها ببساطة.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي