يقينًا، لا يوجد صديق أو حليف دائم في عالم السياسة، ومهما كان قريبًا أو بعيدًا، ومهما زادت المصالح بين الأطراف السياسيَّة؛ هكذا تعلَّمنا أكاديميًّا، وتأكَّد لنا واقعيًّا. فهذه البيئة قائمة على المصالح والواقعيَّة، وعلى قيمة الطرف الأول لدى الطرف الآخر؛ أي: هل يمكن أن أتخلى عنه، أم أنا بحاجة إليه، وإلى متى؟ وهل تساوي قيمته السياسيَّة المصالح التي يمكن أن أخسرها أو أكسبها؟
إذًا، فالعاملون في هذا الحقل أقرب ما يمكن أن نشبِّه عملهم بالأفراد العاملين على الحسابات والموازنات: خسائر ومكاسب. والدبلوماسيَّة والسياسة الخارجيَّة أشْبَه ما تكونان بفنِّ صناعة التوازنات والتفاعلات في ذلك الحقل. وقد أشرتُ إلى ذلك في العديد من كتُبي وبحوثي، وعلى رأسها مؤلَّف:»التوجُّهات الكبرى في بنية النظام العالمي، ص (46)-(50)».
ولو عُدنا إلى مختلف الأحداث السياسيَّة والعسكريَّة والأمنيَّة في البيئة السياسيَّة الدوليَّة عبر التاريخ السياسي القديم والحديث، أو من خلال متابعة التفاعلات السياسيَّة التي يُمثِّلها حقل العلاقات الدوليَّة، لتأكَّد لنا تفوُّق بعض المبادئ على حساب مبادئ وقيم أخرى، مثل مبدأ القوَّة على حساب المثاليَّة في أغلب فترات السياسة الدوليَّة، وأن الواقعيَّة أكثر قدرة على تمثيل واقع العلاقات الدوليَّة من الليبراليَّة، وهكذا.
صحيح أن هناك جوانب مؤثرة ثبتت مكانتها السياسيَّة في حقل العلاقات الدوليَّة إلى حدٍّ بعيد، مثل الليبراليَّة السياسيَّة القائمة على الاعتماديَّة والتبادليَّة كأداة للتخفيف من تأثير الواقعيَّة، بالإضافة إلى فوائد التجارة الحُرَّة والأمن الجماعي، ووجود انسجام في المصالح بين الدول. ولكن لا تزال الواقعيَّة السياسيَّة القائمة على المصالح المتجردة الأكثر قدرة على تمثيل واقع السياسة الدوليَّة قديمًا وحديثًا.
وفي هذا الإطار تعمل معظم مطابخ السياسة الدوليَّة في مختلف أرجاء العالم، ولا أتصور وجود دولة قائمة اليوم تعمل خارج هذا الإطار، حتى تلك الدول التي تميل في بعض الأحيان إلى المثاليَّة والليبراليَّة السياسيَّة، وفي جميع الأحوال، تبقى السياسة والعلاقات الدوليَّة فنًّا قائمًا على صناعة التوازنات بين المصالح الداخليَّة الوطنيَّة والمصالح الدوليَّة أو العابرة للحدود الوطنيَّة، وقد تميل بعض الدول أحيانًا إلى التنازل عن مصالحها لصالح الآخرين، وليس ذلك حُبًّا أو جهلًا أو مثاليَّة، بقدر ما هو خيار واقعي للحصول على مصالح أكبر وأشمل.. وهكذا.
تماشيًا مع ما تمَّ ذِكْره، تعمل سلطنة عُمان في هذه البيئة المضطربة والمنهكة بالصراعات وتضارب المصالح. ونجاح سياساتها التي تميل في بعض الأوقات إلى الليبراليَّة والمثاليَّة على حساب الواقعيَّة يؤكد استمرار الحسابات المقلقة، التي تحتاج إلى قراءة متمعنة للحاضر والمستقبل بِعَيْنِ الحكمة والهدوء، صحيح أن مثل هذه الحسابات قد تؤدي في بعض الأحيان إلى خسائر مؤقتة، ولكنها في الغالب تصنع مكاسب بعيدة المدى، خصوصًا أن حسابات الواقعيَّة السياسيَّة أقدر على التأثير في الحاضر ضمن البيئة السياسيَّة، غير أن نتائجها السلبيَّة أكثر كلفة، خصوصًا على المديين القريب والمتوسط، بالإضافة إلى تكاليفها الماديَّة والخسائر البشريَّة الهائلة.
مثَّلت سلطنة عُمان نموذجًا نادرًا من فنون التعامل مع حقل السياسة والعلاقات الدوليَّة خلال العقود الماضية في البيئة السياسيَّة المعاصرة؛ نموذجًا تعامل بتوازن ما بين مصالحه السياسيَّة ومصالح الآخرين. حتى إن الشواهد التاريخيَّة، وهي عديدة، تؤكد أن سلطنة عُمان قدَّمت المصالح الإنسانيَّة لبعض الدول في ظل ظروف سياسيَّة معيَّنة على حساب مصالحها السياسيَّة وعلاقاتها الدوليَّة، وهذا الأمر من النماذج النادرة التي تعاملت مع حقل السياسة والعلاقات الدوليَّة عبر مثاليَّة أخلاقيَّة في بيئة دوليَّة لا تؤمن إلَّا بالقوَّة والمصالح الماديَّة.
ختامًا، من الواجب التحليلي والخبرة التاريخيَّة القول إن الحذر واجب في التعامل مع حقل العلاقات والسياسة الدوليَّة المعاصرة عبر أُسلوب المثاليَّة أو الاعتماد على الليبراليَّة السياسيَّة في توجيه السياسات الوطنيَّة، على أن ذلك لا يجب أن يؤثر في الصورة الذهنيَّة الرائعة التي تمكنت سلطنة عُمان من المحافظة عليها خلال العقود الماضية، والقائمة على الأخلاقيَّة والمثاليَّة السياسيَّة في صناعة التوازنات في حقل السياسة والعلاقات الدوليَّة.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @