السبت 04 يوليو 2026 م - 19 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

من «الجزائر» إلى «تونس»: مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «9/‏11»

من «الجزائر» إلى «تونس»: مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «9/‏11»
السبت - 04 يوليو 2026 10:22 ص

سعود بن علي الحارثي

10

تاسعًا: في السَّفر غنى ثقافي وإنساني هائل.

في السَّفر يكتشف الإنسان مواقف إنسانيَّة نبيلة: الوفاء والصدق والأمانة في المعاملة، ويلتقي بأشخاص يساعدونه على تحقيق مقاصد الرحلة: المرشد السياحي، قائد السيَّارة، صاحب المحل التجاري، موظف الفندق، المواطن العادي في الشارع والسوق والنقل العام... لديهم قصص، ومواقف مدهشة، وغنى ثقافي، ووعي يستحق التقدير، وأفكار جميلة، وقدرة على صناعة النكتة وتوليد مواقف كوميديَّة وحكايات تمزج بين الطرفة والدعابة والمقالب التي تبهج النفْس. نندمج ويندمجون معنا بأريحيَّة ومشاعر صادقة، وتتلاشى الحواجز والكلف، و«يصبح البساط أحمدي». إنهم العنوان الأبرز والأجمل للوطن الذي ينتمون إليه، وفي «الجزائر» هم النموذج الأصيل لعالمنا العربي الأوسع والأشمل. رشا، حسن، يوسف، صالح، حكيم، عبد الجليل.. وغيرهم كثير، عشنا معهم ساعات وأيَّامًا مليئة بالحوارات والمقارنات والدعابات وتبادل المعلومات والملاحظات، وطبيعة حياة كل واحد منهم وظروفه وهمومه وطموحاته وإنجازاته. رشا، التي لا تزال في مقتبل العشرينات من عمرها، تمكنت في فترة وجيزة من تحقيق الكثير من تطلُّعاتها وأهدافها في تدشين وتطوير مشروعها السياحي، وفي تثقيف نفسها وتوسيع نطاق معلوماتها التاريخيَّة والسياحيَّة، فتمكنت من أن تتحول إلى موسوعة في هذا المجال؛ فكل مَعلم وحجر ومتحف وسور وبوَّابة وقطعة أثريَّة خلفها قصَّة شيِّقة وحكايات ملهمة وسرد أسطوري، فينبهر المستمع بحديثها المثير ولُغتها الفصيحة الآسرة. وأصبح لديها أصدقاء ومعارف وأناس من دول تقع في قارات الأرض، مؤمنون بإمكاناتها وبراعتها. قوَّتها الحقيقيَّة في ثقتها بقدراتها، والأمانة والصدق والإرادة الصلبة في إنجاز عملها. وتدير شبكة من المرشدين السياحيين وقائدي الحافلات السياحيَّة، وتنسق وتتواصل مع الفنادق والمطاعم، وتصدر الأوامر بحزم في كل ولايات الجزائر لضمان راحة السيَّاح الذين يتعاملون معها. وفخورة بأُختها الصغيرة «حميدي رانيا ملاك»، التي تعشق القراءة ولها مع الكِتاب علاقة وطيدة وصحبة، وأنجزت مشروعها الروائي وتنتظر الفرصة لطباعته، ونقلت لي مشاعر الفرح والغبطة التي تلقت بها نسخة الإهداء التي بعثتها لها من كتابي «رحيق الكتب»، مذيَّلة بكلمات التحفيز والأُمنيات بمشروع روائي ملهم... حسن، كنَّا نعتقد بأنه مجرد سائق للسيَّارة التي سوف تنقلنا إلى المواقع السياحيَّة، فاكتشفنا أنَّنا في حضرة إنسان مثقف يمتلك رؤية سياسيَّة وشعورًا قوميًّا وقصصًا تحرك المشاعر وتستحق التقدير، وناقشناه في العديد من المسائل المرتبطة بتاريخ الجزائر، وكان يصحح ويضيف ويزيل اللبس. يوسف، الشَّاب الطيِّب الخلوق، الذي يستعد قريبًا للزواج ممَّن اختارها قلبه، ووجَّه لنا الدعوة لمشاركته مناسبته السعيدة، في غرداية، يعمل مرشدًا سياحيًّا في فترات المساء وإجازات الأسبوع، ومعلِّمًا للُّغة الإنجليزيَّة، ويجتهد في أوقات الفراغ لتثقيف نفسه وتوسيع معلوماته، مؤمن ومتمسك بتقاليد الحياة وبثقافة وتاريخ مُجتمع غرداية وبالأعراف الصارمة التي رسمها ويطبِّقها كبار السِّن فيها. صالح، الإنسان الرائع النبيل، صاحب الخلق الرفيع ونقاء السريرة، الذي أخذنا بحافلته السياحيَّة من غرداية إلى قسنطينة، لمسافة تصل إلى عشر ساعات، ويغرق في الضحك عندما يشاركنا الطرفة والمقالب. اكتشفنا فقط من «رشا» أنه فقد زوجته قبل ثماني سنوات، ورغم إلحاح أُمِّه وابنته الصغيرة بأن يتزوج مرَّة أخرى، فإنه رفض رفضًا قاطعًا لا جدال فيه، وفاءً لزوجته المرحومة التي كان يحبُّها حبًّا شديدًا. عبد الجليل، سائق السيَّارة الذي رافقنا طوال أيَّام الرحلة في قسنطينة وعنابة، وأوصلنا إلى العاصمة تونس، بارع في فن «المقامات» والإنشاد الدِّيني، واختير ضمن مجموعة لتقييم واختبار المؤذنين لمساجد وجوامع في دولة الإمارات العربيَّة المتحدة، وشارك في تنظيم دورات وأنشطة في دول عربيَّة، وأطربنا بأناشيده الصدَّاحة وصوته الأخاذ الجميل. وعندما ناقشناه حول عمله كسائق «حافلة» يقلُّ السيَّاح، وهو قامة من قامات الإبداع، قال: «الإبداع ما يوكل عيش». حكيم، شاب آخر تخصَّص كمرشد سياحي في الآثار الرومانيَّة، استفدنا من معلوماته الواسعة والغنيَّة في مجالات متعدِّدة، كالسياسة والاقتصاد والتاريخ. حسن سالم، مرشدنا في قصر «العطف»، يتحدث اللُّغة الفرنسيَّة بطلاقة، واكتشفنا بالمصادفة أنه يمتلك براعة في التصوير واحترافيَّة الالتقاطات المذهلة، وأخبرنا بأنَّ إخوته يعيشون في باريس؛ منهم مَن يدير إذاعة خاصَّة، ومنهم أستاذ في السوربون... وهكذا تتوالى مفاجآت السَّفر ومنافعه الكثيرة؛ فمصطفى إبراهيم، الشيخ الجليل، في بني «يزفن»، إلى جانب براعته كمرشد سياحي، فهو كذلك مؤرِّخ وعاشق لِسِيَر العلماء والقادة والشخصيَّات النادرة، ويمتلك سجلًّا غنيًّا من القصص والحكايات التي لا تُمل. أمَّا «إلياس»، المرشد السياحي في قسنطينة، فمتخصص في تاريخ المدينة وثقافتها وتقاليد مُجتمعها، في فرادة طبيعتها وتاريخ بناء جسورها، وفي همجيَّة المستعمر وما قام به من مذابح جماعيَّة، وما أحدثه من أعمال بربريَّة وحشيَّة. يتحدث إلياس لساعات في نشاط يُحسد عليه؛ قصص وحكايات وأساطير وصور مثيرة وملهمة، موسوعة تاريخيَّة يحملها في ذاكرته ويحافظ عليها بالسرد الشفهي اليومي. عندما عرف أنني «كاتب»، أجرى معي لقاء قصيرًا سجَّل فيه انطباعاتي عن «قسنطينة». «مهدي»، مرشدنا السياحي في «عنابة»، يتحدث الفصحى، ويمتلك صوتًا جهوريًّا، وكان مذيعًا في إذاعة عنابة، متخصصًا في اللُّغات ويتحدث عددًا منها بطلاقة، ومهتمًّا كذلك بالأعمال والنشاطات الثقافيَّة والسينمائيَّة. وعندما سألته رشا عن إمكانيَّة أن يتحدث معنا بالفصحى بدلًا من اللهجة الدارجة التي قد تعيق فهمنا لشرحه السياحي، ردَّ عليها بنص عربي فصيح اختاره للاحتجاج وتوصيل المعنى، فانفجرت ضاحكة من المفارقة بين طلبها ومكناته العربيَّة. التنسيق والتواصل والتفاعل والتكامل بين أعضاء هذا الفريق الرائع، ونجاحه ودقَّة المواعيد، يُدار من قِبل «رشا» في وعي عميق بدور السياحة في إغناء الاقتصاد الوطني وتنويعه. إنها الجزائر، بلد الأحرار والشهداء والنضال والحُريَّة والكرم الباذخ، فلا غرو أن تدهشنا وتبهرنا هذه النماذج الرائعة التي قضينا معها أوقاتًا بهيجة لا تقدِّرها الأثمان. ففي المقاهي والمحالِّ التجاريَّة، كلما احتسينا فناجين القهوة وماء الشرب، وتناولنا الفطائر والكعك والحلوى الجزائري، كنَّا في سباق محموم معهم لنظفر بشرف تسديد قيمة الفاتورة، فلا نجد إلى ذلك سبيلًا أمام إصرارهم وقوَّة حجَّتهم وكرمهم الحاتمي، فلهم منَّا كل الشكر والتقدير. «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]