عزيزي القارئ.. تكلمنا سابقًا عن بعض الدرجات التي يصل إليها المتنافسون (الإخبات والولاية والصديقية) لكن كيف يصل المجتهد ويرتقي بنفسه إليها أو إلى سموها؟، الجواب: بالعزم، إذ العزم هو الأداة التي يصل بها إليها أو إلى أفضلها وهي درجة الصديقية، والعزم المستوى الأعلى بعد الإرادة، والإرادة المستوى الأعلى بعد الصبر، ولقد حث الله نبيه أن يصبر ويرتقي بصبره إلى مصاف صفوة الصفوة، وهم أولي العزم من الرسل:(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)، فما حقيقة العزم؟.
في مفهوم العزم قال ابن عاشور: هو «إمضاء الرأي، وعدم التردد بعد تبين السداد»، وقال الهروي: «العزم تحقيق القصد طوعًا أو كرهًا»، وقال ابن الأثير: «العزيمة هي ما وكدت رأيك وعزمك عليه، ووفيت بعهد الله فيه»، ويعبّر عن عزم الدوران في الفيزياء عن القوّة التي تدفع الأشياء للدوران أو تغيير الاتّجاه، إذن العزم يأتي من سداد رأي، فإجراء إقدامي تطبيقي محقق، دون تردد قلق، ولا حماقة رأي.
ومن ثمرات العزم: القرب من الله:(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)، وكذلك العزة والشرف: يقول أحد أصحاب عمر بن الخطاب: كنا في عزّة أيام عمر، ويقول الصديق في خلافته عند انتشار الردة: أيذل الدين وأنا حي؟!، ولولا عزم هذا الرجل لكان الذين ينتقدونه اليوم في حربه للمرتدين لتجدنهم أتباع مسيلمة أو سجاح.
ومن مظاهر العزم؛ السبق:(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)، فالعازم هو السبّاق إلى فعل الخيرات في مجتمعه، يقيم أعمال البر.. كأولئك الذين نراهم في الجمعيات والفرق الخيرة والمراكز الصيفية والداعمون لهم، والغيرة الشديدة: العازم هو الغيور على مجتمعه، فلا يرضى أن توطأ حرماته أو تنتهك أعراضه أبدًا، ولا يرضون بالذل والهوان والظلم، وكذلك الطموح غير المحدود: فيرفع العازم في مطالبه السقف العالي، وبذلك يوصي النبي (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى فإنها أعلى مراتب الجنان).
وقسّم الله تعالى الناس في الآخرة إلى ثلاثة أقسام:(وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (الواقعة 7 ـ 11)، فأصحاب المشأمة من الشؤم وهم أهل النار، وأصحاب الميمنة من اليمن، وهم أهل الجنة المتقين، وأصحاب القرب من الله وهم المقربون السابقون إلى فعل الخيرات بالعزم. فلنرتقي لنكون منهم.
* وخلاصة القول: أن العزم ليس اندفاعًا أعمى ولا حماسة عابرة، بل هو وعيٌ يُمضي الرأي بعد تبين الحق، وثباتٌ يترجم الإيمان إلى عمل، والصبر إلى ارتقاء، والإرادة إلى سبق. وبالعزم تُصنع المراتب، وتُنال الصديقية، ويُكتب للعبد أن يكون من السابقين المقربين، لا من المتأخرين المترددين. فليكن لكل واحدٍ منا عزمٌ صادق، وهمّةٌ عالية، وطموحٌ لا يقف عند حدود الممكن، حتى نكون ممن صدقوا الله فصدقهم، وسابقوا إلى الخيرات فقرّبهم، ورفعوا راية الدين بثباتٍ ويقين.
سامي السيابي
كاتب عماني