الجمعة 24 يوليو 2026 م - 9 صفر 1448 هـ

أبو بكر الصديق وجهاده فـي الهجرة «3»

الأربعاء - 01 يوليو 2026 12:56 م
20

أيها الأحباب: ونحن في مسرتنا حول جهود سيدنا أبي بكر الصديق في الهجرة النبوية المباركة توقفنا عند إنفاقه في سبيل الله تعالى، والذي لم يقتصر عطاؤه على صحبته لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الهجرة، بل امتد إلى إنفاق ماله قبلها وبعدها، فأمّا قبل الهجرة: فقد أنفق أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ من ماله في تجهيز الراحلتين، وفي إعداد الزاد والمؤونة، كما سخّر عياله لخدمة النبي (صلى اله عليه وسلم) في تلك المرحلة الحرجة، وقد كان ماله كله في خدمة الدعوة، قال تعالى:(وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يَقطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم لِيَجزِيَهُمُ ?للَّهُ أَحسَنَ مَا كَانُواْ يَعمَلُونَ) (التوبة ـ 121)، حتى قال بعض الرواة: لم يترك شيئًا إلا وضعه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأمّا أثناء الهجرة: فقد تكفّل ـ رضي الله تعالى عنه ـ بالنفقة على الطريق، وهيّأ كل ما يلزم من مؤونة، وأظهر بذلك أن المال وسيلة لحماية الرسالة، لا غاية في ذاته، وأمّا بعد الهجرة: فقد واصل سيدنا أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ بذله في المدينة، فقد كان ينفق على المسلمين من الفقراء والمساكين من أهله.. وغيرهم، كما أنه ـ رضي الله عنه ـ كان أول من يشارك في تجهيز الجيوش، ويعين الفقراء والمحتاجين، حتى قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حقه: «ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر»، فبكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله» (متفق عليه).

إن هذا الإنفاق المتواصل يبرز أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ لم يجعل المال حائلًا بينه وبين نصرة الدين، بل جعله أداةً للتمكين، فكان بذلك قدوة في السخاء والإيثار، ومن ذلك ما جاء في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري 21/‏‏ 189): (خْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ ـ رَضِي الله عَنهُ ـ أنَّهُ رَأى رسولَ الله ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ شَرِبَ لَبَنًا وأتَى دَاره ـ أَي: دَار أنس ـ فَحَلبْتُ شَاة فَشُبْتُ ـ أَي: خلطت لأجل رَسُول الله ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ مَاء من الْبِئْر وَهُوَ من الشوب بِلَفْظ الْمُتَكَلّم ـ ، لِرَسُولِ الله ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ مِن البِئْرِ، فَتَناوَل القَدح فَشَربَ وعنْ يَسارِهِ أبُو بَكْرٍ وعنْ يَمِينِهِ أعْرَابيُّ فأعْطَى الأعْرَابِيَّ فَضْلَهُ ـ أَي: فضل اللَّبن الَّذِي فضل مِنْهُ فِي الْإِنَاء بعد شربه ـ ، ثُمَّ قَالَ: الأيْمَنَ فالأيْمَنَ. وهذا لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحب التيمن في كل شيء حتى في الترجل والتنعل، وعلى الرغم أن الذي كان يجلس أعرابيًا إلا أن رسول الله بدأ به.

والخلاصة: تتجلّى في أحداث الهجرة النبوية صورٌ بديعة من التضحية والوفاء، حيث اجتمع فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه أبو بكر الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ ليقدّما للعالم نموذجًا خالدًا في الصبر والثبات، والتعاون على نصرة الحق، فقد بذل أبو بكر نفسه وماله وعياله في سبيل حماية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل من صحبته درعًا واقيًا للرسالة، حتى غدت الهجرة صفحةً مشرقة في تاريخ الإسلام، تحمل معاني الإيمان العميق، والوفاء الصادق، والتضحية التي لا تعرف حدودًا.

إن الهجرة ـ أيها الأحباب ـ لم تكن مجرد انتقال من مكة إلى المدينة، بل كانت تأسيسًا لعصر جديد، وبدايةً لقيام الدولة الإسلامية، لتبقى ذكرى الهجرة شاهدةً على أن نصرة الدين تحتاج إلى صدق الإيمان، وقوة العزيمة، وبذل الغالي والنفيس في سبيل الله، وبهذا، يظل سيدنا أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ مثالًا للصديق الوفي، الذي جمع بين الصحبة والإيثار، ليُخلّد اسمه في سجل العظماء الذين حملوا أمانة الرسالة، وشاركوا في صنع تاريخها المجيد.

فلنتأسى برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولنقدي بأصحابه الكرام الذي بذلوا في نصرة دين الله تعالى كل غالٍ ونفيسٍ، قال تعالى:(إِنَّ ?للَّهَ ?شتَرَى مِنَ ?لمُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ?لجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ?للَّهِ فَيَقتُلُونَ وَيُقتَلُونَ وَعدًا عَلَيهِ حَقّا فِي ?لتَّورَاةِ وَ?لإِنجِيلِ وَ?لقُرءَانِ وَمَن أَوفَى بِعَهدِهِ مِنَ ?للَّهِ فَ?ستَبشِرُواْ بِبَيعِكُمُ ?لَّذِي بَايَعتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ?لفَوزُ ?لعَظِيمُ) (التوبة ـ 111).

د.محمود عدلي الشريف 

[email protected]