الخميس 02 يوليو 2026 م - 17 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

عودة حديث الفقاعة

عودة حديث الفقاعة
الأربعاء - 01 يوليو 2026 10:32 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

20

مع هبوط أسواق الأسهم الأميركيَّة، التي تقود أسواق المال العالميَّة، في الأسابيع الأخيرة، عاد مجددًا الحديث عن «فقاعة الأسواق»، وتجددت المخاوف من قطاع الذكاء الاصطناعي. يعني وصف الفقاعة غليان قيمة الأصول في أسواق الأسهم، أي تضخيم قيمتها بأعلى كثيرًا من الواقع الفعلي للشركات. وغالبًا ما تؤدي تلك المبالغة في القيمة إلى أزمة حين «تنفجر الفقاعة»، فتهوي مؤشرات الأسهم، وتتبع الهبوطَ الشديدَ في الأسواق الماليَّة هزاتٌ مختلفة الحدَّة في بقيَّة قطاعات الاقتصاد العالمي. ورغم الهبوط في مؤشرات الأسواق، فإن كثيرًا من المراقبين والمحللين لا يرون أن فقاعة الذكاء الاصطناعي انفجرت، بل إن أغلبهم يرى أن ما يحدث مجرد تصحيح في السوق بهبوط بعد ارتفاع، كعادة مؤشرات الأسواق وأسعار الأسهم القياديَّة فيها. إنما الواقع أن هناك «فقاعة» كبرى، ليس في الأسواق فحسب، بل ربما في غيرها. فهناك فقاعة ديون عالميَّة تغلي منذ فترة، ويمكن أن تنفجر في أي لحظة. وهناك فقاعات كثيرة، ليس فقط في قطاعات المال والاقتصاد، وإنما في السياسة ونشاطات بشريَّة أخرى؛ بمعنى المغالاة في التقييم إلى حد الانتفاخ، ثم «انفثاء» التضخيم لينكشف الناس على واقع أليم.

خطورة ما تسمَّى فقاعة الذكاء الاصطناعي أنها، وإن كانت بالأساس حتى الآن مسألة سوق أسهم وقطاع مالي، فإن تبعات انفجارها تتجاوز الاقتصاد إلى ما هو أوسع وأعمق. كما كتب روشير شارما في مقال له بصحيفة «الفاينانشيال تايمز» هذا الأسبوع، فإنه لم يسبق في تاريخ الرأسماليَّة أن هيمن قطاع واحد على مسار الأمور كما هو حال قطاع الذكاء الاصطناعي حاليًّا. وشارما من منظِّري الرأسماليَّة، أي إنه لا ينتقد من منطلق اشتراكي أو غيره. فهو رئيس مركز روكفيللر إنترناشيونال، ومؤلف كِتاب «ما الخطأ الذي حدث في الرأسماليَّة؟». لذا، من باب حرصه على النظام الرأسمالي، كتب شارحًا خطورة أن يعلق مستقبلها كله بتطور تكنولوجي محدَّد مثل الذكاء الاصطناعي. هناك شواهد كثيرة على غليان فقاعة في هذا القطاع، بغَضِّ النظر عن تحركات أسواق الأسهم؛ فالمستثمرون الذين يضخون مئات مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي على مدى العامين أو الثلاثة الأخيرة بدأوا التشكك في أن استثماراتهم يمكن أن تحقق العائد المرجو منها. كما أن الشركات التكنولوجيَّة الكبرى، التي اعتادت من قبل إعادة شراء أسهمها كدليل على توافر التمويل لديها، باتت تبيع أسهمها، بل وتطرح أسهمًا إضافيَّة للحصول على التمويل من السوق.

بالطبع ستجد المروِّجين للذكاء الاصطناعي باعتباره القطاع الذي يقود الاقتصاد العالمي وأمل الرأسماليَّة في التطور والنُّمو يقللون من خطر الفقاعة. ويقارن هؤلاء بين ما حدَث في حالة فقاعات سابقة أدَّى انفجارها إلى أزمات عالميَّة، مستخدمين الأرقام والبيانات للخلوص إلى نتائج تفيد بأن الوضع ليس بالتشاؤم الذي يثيره حديث الفقاعة. وهناك بعض المنطق والموضوعيَّة في تلك الحجج، إنما الفارق أن الذكاء الاصطناعي ليس مثل أي تطور تكنولوجي سابق، ولا حتى فقاعة شركات الإنترنت في نهاية القرن الماضي. وذلك على الرغم من أن الإنترنت بالفعل غيَّرت حياة الناس على وجْه الأرض، وأصبحت متطلبًا حياتيًّا لا غنى عنه تقريبًا. ففي النهاية، إذا توقفت الإنترنت نتيجة عطل أو انقطاع الطاقة، فإن هناك بدائل يمكن للبشر اللجوء إليها لإنجاز أعمالهم، ولو بشكل أبطأ وتيرة وأقل كفاءة. إنما حين يهيمن الذكاء الاصطناعي في غضون عامين أو ثلاثة على كل قطاعات النشاط البشري، فإن البدائل لن تكون متاحة بهذا الشكل؛ وذلك ببساطة لأن الذكاء الاصطناعي سوف يكون قد «أراح» الذكاء الطبيعي، فلم تَعُد العقول البشريَّة تتعلم وتفكِّر وتحلِّل وتقرِّر؛ لأن الآلة وبرامج الحاسوب (الكمبيوتر) تقوم بالمهمَّة نيابة عنها.

من هنا خطورة فقاعة الذكاء الاصطناعي؛ ففي غضون سنوات قليلة سيتوقف كثير من البشر عن إعمال عقولهم طالما هناك مَن يقوم بالمهمَّة. وإذا كان ابتكار الذاكرة الإلكترونيَّة جعل كثيرين لا يعتمدون على الذاكرة الطبيعيَّة في حفظ الأرقام والبيانات الضروريَّة، فإن الذكاء الاصطناعي سيعطل ليس فقط مراكز الذاكرة في العقل البشري، بل وخلايا الربط والمعرفة والابتكار كذلك. ليست الخطورة في انفجار الفقاعة؛ فذلك سيعني ربما أزمة في الأسواق، أو حتى أزمة ماليَّة عالميَّة سيتجاوزها العالم ببعض الخسائر الماليَّة والاقتصاديَّة التي يمكن تعويضها. إنَّما الخطورة هي في استمرار غليان الفقاعة دون انفجارها، أو تفريغها بشكل متدرج؛ لأن ذلك سيعني مواصلة مسار الذكاء الاصطناعي إلى أن يهيمن تمامًا ليس فقط على الاقتصاد العالمي، وإنما على نشاط البشر كما عرفناه على الأرض منذ قرون. وهذا أمر أشد خطورة من مسألة مغالاة في قيمة أسهم أو غيره؛ إذ إن الأسواق، والاقتصاد كله، يمرَّان بدورات صعود وهبوط طوال الوقت. لكن العقل البشري إذا تكاسل فإن قدراته تتلاشى، وليس في ذلك صعود وهبوط، بل ضمور متصل إلى حد الاختفاء. لذا لا يزعج المرء حديث الفقاعة في قطاع الذكاء الاصطناعي بقدر المخاوف من تضخمه حتى يبتلع الاقتصاد العالمي كله. وليس ذلك من باب التكهن أو التخمين، إنما ذلك هو هدف حفنة من الشركات وكبار أثرياء العالم الذين يموِّلونهم.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]