الخميس 02 يوليو 2026 م - 17 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

من ذاكرة التفقد

من ذاكرة التفقد
الأربعاء - 01 يوليو 2026 10:31 ص

عادل سعد

40

• أن تزدهر لدى البعض ثقافة التفقد، وتظلُّ أولويَّاتهم عند قيمة إنسانيَّة مجردة من أيِّ هدف إلَّا رضا الله، فتكون الخصال فيها قد ارتفعت بمعدَّلات تستحق الإشادة والثناء والدعوة إلى الاقتداء.

• لقد أُتيح لي خلال الأيَّام القليلة الماضيَّة الاطلاع بالتفاصيل على مواظبة تفقديَّة يتولى الاستمرار في إنجازها عراقيون نذروا جزءًا مهمًّا من جهدهم لخدمة عراقيين آخرين لا يقوون على إدارة حياتهم بصورة طبيعيَّة.

• أنا أتحدث هنا عن فريق خدمي من خمس شخصيَّات اجتماعيَّة، بينهم أستاذ جامعي متمرِّس في هندسة السيطرة والنظم، أمضى كل خدمته العلميَّة الوظيفيَّة راعيًا مواظبًا للمئات من الباحثين. وهناك أربعة آخرون تعدَّدت أعمالهم في وظائف أخرى. كيف التقوا واجتمعوا على هذه المهمَّة الخدميَّة التطوعيَّة؟ وما هي وجهتها؟ الحال أن هناك غرابة وطرافة واستبسالًا في موقفهم هذا.

• لقد خصصوا جهدهم الإنساني حصريًّا لخدمة مرضى مستشفى الأمراض العقليَّة والنفسيَّة الكائن في الضاحية الشرقيَّة للعاصمة بغداد، ويُعرف أيضًا بمستشفى الرشاد. وقد تمرَّسوا في خدمة متنوعة تشمل تقديم وجبات أكل تستجيب إلى رغبات النزلاء، وفي الوقت نفسه لا تتعارض مع النظام الغذائي الذي تقدِّمه إدارة المستشفى، مع الحرص على الشروط الصحيَّة اللازمة. كما يتولى هذا الفريق التطوعي تقديم الملابس وفق القياسات الملائمة للنزلاء ذوقًا ورفاهيَّة نسبيَّة. وفي الكثير من الأحيان يجلب الفريق التطوعي معه المواد الغذائيَّة المُعدَّة للطبخ، مع أدوات الطبخ، ويشركون النزلاء في الإعداد، ممَّا يهيئ أجواءً من الحوار؛ الأمر الذي يكرس المزيد من الألفة بين الطرفين، ويقلِّل من الضغوط النفسيَّة لدى المرضى. ومن المهمَّات الأخرى توزيع مبالغ نقديَّة على البعض لشراء ما يرغبون من حاجات، وكذلك تأمين معلومات للمرضى عن أُسرهم التي أودعتهم في المستشفى، خصوصًا أن بعض عوائل النزلاء تحرص على الابتعاد مخافة الوصمة الاجتماعيَّة المرتبطة بالأمراض النفسيَّة والعقليَّة.

• للتاريخ فحسب، تعرَّض مستشفى الأمراض العقليَّة في بغداد إلى أضرار إبَّان القصف الأميركي واحتلال العاصمة العراقيَّة عام (2003)، ممَّا أدَّى إلى وقف الخدمة فيه بعض الوقت وتفكك إدارته، فدفع ذلك العديد من المرضى إلى مغادرته؛ حيث انتشر بعضهم مشرَّدين في ملتقيات الطُّرق، وفي الساحات العامَّة، وتحت الجسور التي اتخذوها منازل لهم، وبعضهم توجَّهوا إلى بيوتهم، خصوصًا الذين كانوا على وعي ما بماضيهم العائلي. والمؤلم أن عددًا منهم استُشهد أثناء القصف أو بنيران الشركات الأمنيَّة الخاصَّة، التي تعرضت إلى أكثر من مساءلة قضائيَّة واحدة لقتلها عراقيين تحت طائلة الشك، بينهم مصابون باضطرابات نفسيَّة لا يفقهون ما يجري حولهم. وقد بذلت الأجهزة الأمنيَّة العراقيَّة التابعة إلى وزارة الداخليَّة جهودًا مضنية لإعادة أكثريَّتهم إلى المستشفى.

• إلى ذلك، رُوي لي أن مريضًا عقليًّا مسالمًا فارًّا من ذلك المستشفى اتخذ من حديقة الباب الشرقي، أحَد معالم بغداد المعروفة، مأوى. وكان يطيب له أن يوجد بالقرب من جداريَّة نصْب الحُريَّة التي تزين تلك الحديقة. وفي أحد النهارات، بينما كان مستلقيًا في ذلك المكان المفضَّل لديه، يستطلع وجوه المارَّة، التقت عيناه بِعَيْنَي أُخت له كانت مارَّةً مصادفةً هناك، ممَّا أدخل الأخت في نوبة نحيب، لكنها تركته غصبًا عنها بضغوط منه ومن زوجها الذي كان يرافقها.

• بالمطلق، يجمع خبراء عِلم النفس على أنه «لا شيء يطلق العظمة في دواخل الإنسان إلَّا مساعدة الآخرين الذين هم بحاجة إلى الرعاية». وبالسياق، لا يمكن أن أنسى موقف امرأة عراقيَّة رفضت راتبًا حكوميًّا بموجب قانون عراقي يُمنح لمرافقي المصابين بالإعاقات الجسديَّة والنفسيَّة والعقليَّة.

• لقد قالت لي، خلال حلقة عمل جمعتنا عندما كنتُ أعمل مستشارًا في منظمة حمورابي لحقوق الإنسان: «لن أسمح لنفسي أن أتقاضى ثمنًا لأُمومتي».

عادل سعد

كاتب عراقي

[email protected]