الثلاثاء 30 يونيو 2026 م - 15 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

بوح الخزامى : فـي زاوية من ظل ممزق .. كان وداعي بك

بوح الخزامى : فـي زاوية من ظل ممزق .. كان وداعي بك
الثلاثاء - 30 يونيو 2026 10:29 ص

سميحة الحوسنية

10

لم تكن مجرد قصص سردية.. بل توثيق لحقبة زمنية جادت بها الذاكرة، لتسعفني على الكتابة وتصفح الزمن الجميل من خلالها الحاجة (شريفة) - رحمها الله - طالما رصدتها عكاسة الزمن وهي تسابق الريح في مشهد استثاني لابنة في الرابعة عشر عامًا.. لتزاحم الصفوف وتسترق النظر لرؤية الحاكم الجديد عند حصن ولاية الخابورة.. في مشهد رائع يعكس تفاصيل عاشتها (أم سالم) لتكون احدى البوصلات التوثيقية التي أقصدها لتوثيق أحداث جرت في حقبات زمينة مختلفة.. فكانت النور الذي أبصرت من خلاله الكثير من كتاباتي.

في بداية السبعينيات أطل فجراً جديد مبشّرًا مبتسمًا.. مفعمًا بالمفاجآت والخيرات.. فأخدت تلوح بأيديها وكأنها تطوق المكان.. هناك كانت تقف السفن ترافقها الاهازيج الشعبية.. صوت البنادق يخترق مسمعي.. أرى الأهالي يتسابقون صغارًا وكبارًا.. الكل متجه نحو الحصن وقد خلت البيوت من أصحابها.. في مشهد عجيب لم نعهده سابقًا.. بل كنا نرى لمعة بعض القروش الفضية.. متناثرة يمنة ويسرة.. ربما لم يشعر صاحبها من فرحته بسقوطها من جيبه الذي قد يكون انفلق من شدة الجري.. فكنت أجمع بعض القروش أثناء مشيي حتى بلوغي الحصن.. كان مشهدًا مهيبًا تقشعر له الابدان.. بالأمس كان الحصن كئيبًا.. كابت لا تسمع منه إلا صرخات الاستغاثة.. فكان الخروج منه مثابة حلم وأمنية لكل سجين بالداخل.. فالخوف من الاقتراب والمرور أمام الحصن كان يلازمني وربما كنت أغمض العين عند مروري مع أهلي أمامه... اليوم كسرت قيود الخوف ليقع بصري على الحاكم السلطان الراحل - طيب الله ثراه - وما يتمتع به من هيبة حضور، واستمعت للخطاب الذي يحمل البشرى وتغير الحال، لأصفق مع الأهالي ونهتف ونردد عبارات الشكر والثناء في مشهد لا أستطيع التعبير عنه.

لن أنسى العم (سالم بن عبدالله) الذي أصرَّ ألا أترك طفلتي الرضيعة، والتي ولدتها مند شهور بسيطة، وأذهب الى ساحة الحصن.. ولكن كان شعوري ورغبتي برؤية الحاكم أقوى من الوعيد والتوبيخ لأتسلل خفية عن عودتي بفرحة عارمة جعلتني أنهال على طفلتي بالتقبيل، (يا رحمة قومي جانا حاكم جديد).

كانت ذكرياتي ومواقفي معها كثيرة.. أذكر منها وهي تخيط (قطعة قماش باللون الاخضر)، مصنوعة من الشيت (جون) أي: فستان لطفلتي الصغيرة (خزامى) التي لم يتجاوز عمرها الأسبوع منذ 16 سنة.. وقد رصعته أنا الأخرى ببعض (الخرز) و(الفولك) لينال اعجابها.. مازلت احتفظ به، فهو لم يكن مجرد قطعة قماش وإنما في كل غرزة خاطتها فرحة عارمة بمولودتي الجديدة.. كانت تترجمها في تلك القطعة الصغيرة.. فكم كانت تقول القصائد وتتحفنا بأحاديثها محط اعجاب لشخصيتها المثقفة والحكيمة.. تستحق السرد، فمن شخصيتها نستلهم قوة الأمهات والجدات ومواجه الحياة.. هي بكل عقباتها.. فكانت كأمهاتنا تقطع الكيلومترات لجلب الماء والحطب من بعض العوابي المجاورة.. وعرفت بكرمها وعطائها.. فكم كان سقف دارها ملاذًا لجارتها.. فكانت الملجأ الآمن عندما عصفت بهن ظروف الحياة.. كنت أقصدها لتعتصر ذاكرتها حبرًا يقف على السطور .

هناك عند شاطئ قريتها (الواسط) تركت بصمات رحيلها لتكون شاهدا على حضورها.. وكم أبحرنا في ذاكرتها، فالجمال تجسد في وجود من رحلوا بهم.. كانت الحياة تحلو فيمرُّ شريط ذاكرتي لأجسد كلمات شكري لهذه الشخصية وستظل الحاجة شريفة في ذاكرة القراء سرد لاينتهي.

سميحة الحوسنية 

 مراسلة (الوطن) بولاية الخابورة