الثلاثاء 30 يونيو 2026 م - 15 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : «امتداد».. يصل الحاضر بالمستقبل

أضواء كاشفة : «امتداد».. يصل الحاضر بالمستقبل
الثلاثاء - 30 يونيو 2026 10:33 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

150

منذ أن بزغ فجر نهضتنا المباركة، وكلَّما مرَّت بمرحلة من مراحل تقدُّمها المُشرق، نجد مشاريع باهرة تجسِّد الرؤية الوطنيَّة التي تؤمن بأن التنمية الحقيقيَّة تبدأ من الاستثمار في الإنسان، وتستند إلى حُسن إدارة الموارد، وتنظر إلى المستقبل بعين المسؤوليَّة.

ومن هذا المنطلق، يأتي برنامج «امتداد» للمحطَّات المُجتمعيَّة للطاقة الشمسيَّة، الذي دشَّنته هيئة تنظيم الخدمات العامَّة مؤخّرًا، ليكتب صفحةً جديدةً ناصعةً في مَسيرة سلطنة عُمان نحو اقتصاد أكثر استدامة، ومُجتمع أكثر قدرة على الاستفادة من ثرواته الطبيعيَّة.إن الشمس التي تشرق كل صباح على رُبوع عُمان لم تَعُد مجرد مصدر للدفء والضياء، بل أصبحت شريكًا في صناعة التنمية، ورافدًا اقتصاديًّا يحمل في أشعته فرصًا لا تنضب. وهنا تأتي أهميَّة برنامج «امتداد»، الذي يفتح أبواب الاستفادة من الطاقة الشمسيَّة أمام الجميع، دون أن يكون امتلاك الأسطح المناسبة أو تحمُّل تكاليف تركيب الأنظمة وصيانتها شرطًا للاستفادة من هذا المورد الطبيعي المتجدِّد.لقد نجح البرنامج في تحويل فكرة الطاقة المتجدِّدة من مشروع فردي إلى مشروع مُجتمعي، تتشارك ثماره مختلف الفئات؛ حيث تقوم محطَّات شمسيَّة مركزيَّة بإنتاج الكهرباء وضخها إلى الشبكة العامَّة، بينما يحصل المستفيدون على حصصهم من الطاقة المنتجة في صورة أرصدة أو خصومات مباشرة على فواتير الكهرباء.

وبهذا المفهوم الجديد تصبح الشمس موردًا مشتركًا، وتتحول الطاقة النظيفة إلى منفعة يوميَّة يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته.لا شك أن هذا النموذج يعكس تحوُّلًا مهمًّا في فلسفة إدارة قطاع الطاقة؛ فهو لا يهدف فقط إلى إنتاج الكهرباء، بل إلى تعظيم القيمة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة لكل وحدة طاقة يتم إنتاجها، إلى جانب تحويل الدعم الحكومي إلى استثمار طويل الأجل، يخلق أصولًا إنتاجيَّة مستدامة، ويضمن استمرار المنفعة لأعوام قادمة.إن ما يميِّز «امتداد» أنه لا ينظر إلى الاستدامة باعتبارها شعارًا عالميًّا فحسب، وإنما يجعلها ممارسة عمليَّة تنعكس على حياة الناس بصورة مباشرة. فخفض قيمة فواتير الكهرباء بنسبة قد تصل إلى أربعين في المئة للفئات المستهدفة يمنح الأُسر الاستقرار، وفرصةً لتوجيه الدخل نحو احتياجات أخرى بما يعزِّز جودة الحياة، ويخفِّف من الأعباء المعيشيَّة عن كاهل رب العائلة.كما يمتدُّ أثر البرنامج إلى قطاعات حيويَّة أخرى، وفي مقدِّمتها الأمن الغذائي؛ حيث سيسهم في خفض التكاليف التشغيليَّة للمشروعات الزراعيَّة والإنتاجيَّة، وهو ما يعزِّز قدرتها على الاستمرار والتوسُّع، ويقوِّي منظومة الأمن الغذائي الوطني، في انسجام واضح مع مستهدفات رؤية عُمان المستقبليَّة.أمَّا المردود البيئي، فحدِّث ولا حرج؛ فهذا البرنامج نموذج عملي للحفاظ على الطبيعة ومواردها، في زمن تتسابق فيه دول العالم إلى تقليل الانبعاثات الكربونيَّة والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة. فهو ترجمة حقيقيَّة لالتزامات السلطنة البيئيَّة، وتحويلها إلى مشاريع واقعيَّة تسهم في رفع نسبة الطاقة المتجدِّدة في مزيج الطاقة الوطني، وفي الوقت ذاته تدعم الجهود العالميَّة لمواجهة تغيُّر المناخ، دون أن تغفل متطلبات التنمية الاقتصاديَّة.وممَّا يثير الإعجاب بالفكر العبقري لهذا المشروع حُسن استثمار البنية الأساسيَّة القائمة؛ من خلال استغلال المساحات والمواقف التابعة للمرافق الصحيَّة والتعليميَّة والمُجتمعيَّة لإقامة المحطَّات الشمسيَّة، فهذا توجُّه يعكس كفاءة عالية في توظيف الموارد، ويمنح تلك المواقع قِيمة مضافة؛ بحيث تتحول من مجرد مساحات غير مستغلة إلى منصَّات لإنتاج الطاقة النظيفة وخدمة المُجتمع. ومحطَّة «امتداد (1)» بمحافظة مسقط، باكورة البرنامج، ليست مجرد مشروع تجريبي، بل هي إعلان عملي عن بداية مرحلة جديدة في قطاع الطاقة الوطني؛ فبقدرة إنتاجيَّة تبلغ نحو (1.5) ميجاواط، وما يقارب ألفَي لوح شمسي، ستشكل هذه المحطَّة نقطة الانطلاق نحو تعميم التجربة في مختلف المحافظات؛ لتصبح الطاقة الشمسيَّة جزءًا أصيلًا من المشهد التنموي العُماني.لا شك أن مشاركة الشركات العُمانيَّة في تنفيذ المشروع تمنحه بُعدًا وطنيًّا إضافيًّا؛ ذلك أن أعمال الإنشاء وتصنيع المحوِّلات الكهربائيَّة محليًّا تعزِّز المحتوى المحلِّي، وتدعم نمو الصناعات الوطنيَّة، وتفتح آفاقًا أوسع أمام الكفاءات العُمانيَّة للعمل في القطاعات المستقبليَّة المرتبطة بالطاقة النظيفة والتقنيَّات الحديثة. كذلك، فإن مشاركة القطاع الخاص جنبًا إلى جنب مع القطاع الحكومي تجسِّد تكامل الأدوار بين الجهات التنظيميَّة وشركات الكهرباء والمطوِّرين والمستثمرين، في منظومة تعمل بروح الفريق الواحد، بما يضمن نجاح المشروع واستدامته، ويهيئ البيئة المناسبة لجذب مزيدٍ من الاستثمارات في مجال الطاقة المتجدِّدة.إن الرؤية التي يقوم عليها البرنامج تتجاوز الحاضر إلى المستقبل؛ فهو لا يبني محطَّات لإنتاج الكهرباء فحسب، ولكنه يؤسِّس لثقافة جديدة في التعامل مع الطاقة، تقوم على المشاركة والاستدامة والمسؤوليَّة المشتركة. وهي ثقافة سيتجلَّى أثرها في الأجيال القادمة، التي ستنشأ وهي ترى الطاقة النظيفة خيارًا طبيعيًّا، والتنمية المستدامة أُسلوب حياة.لقد أثبتت سلطنة عُمان عبر هذا المشروع أن الاستثمار في الطاقة المتجدِّدة ليس ترفًا تنمويًّا، بل ضرورة اقتصاديَّة وبيئيَّة واجتماعيَّة، وأن الموارد الطبيعيَّة حين تُدار برؤية بعيدة المدى تتحول إلى محرِّك للنُّمو، وأداة لتحقيق العدالة في توزيع المنافع، وجسر يَعبر بالمُجتمع نحو مستقبل أكثر إشراقًا.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني