احتفلت شُرطة عُمان السُّلطانيَّة ـ ممثلةً في الإدارة العامَّة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقليَّة ـ في السادس والعشرين من يونيو، باليوم العالمي لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقليَّة، والذي جاء هذا العام 2026م بشعار: مُشْكلة المخدرات العالميَّة: تحدِّيات متواصلة، وقضايا مستجدة، واستجابات مبتكرة. ما يؤكد على أهميَّة تعزيز العمل العالمي والتعاون الدولي في مواجهة هذه الآفة الخطيرة، وتوحيد الجهود الوطنيَّة لحماية مُجتمع سلطنة عُمان من المخدرات، انطلاقًا من المسؤوليَّة المشتركة في حماية الإنسان، وصون أمن المُجتمع. وتأتي هذه المناسبة السنويَّة، محطَّة تقييم ومراجعة وإبراز للجهود الوطنيَّة التي تبذلها سلطنة عُمان، ممثلة في الإدارة العامَّة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقليَّة، واللجنة الوطنيَّة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقليَّة والجهات الأخرى ذات العلاقة تحت مظلة هذه اللجنة في التصدي لهذه الجريمة، وما تضطلع به من أدوار أمنيَّة وتشريعيَّة وتوعويَّة ووقائيَّة علاجيَّة، بما يحفظ أمن المُجتمع وسلامته، ويُعزِّز مناعة أفراده، ويرسِّخ ثقافة الوقاية والمسؤوليَّة المشتركة.إن قراءة فاحصة لواقع المخدرات والمؤثرات العقليَّة في مُجتمع سلطنة عُمان تفصح عن مؤشرات عالية ومنحى تصاعدي يستوجب المزيد من اليقظة التي أشار إليها جلالة السُّلطان المُعظَّم في اجتماع مجلس الوزراء الموقر بتاريخ (15) يونيو (2026م)، مؤكدًا جلالته ـ أيَّده الله ـ أهميَّة اليقظة المستمرة لحماية الأمن والاستقرار. ولمَّا كانت المخدرات تتنافى مع أولويَّة الأمن وتتجافى مع معايير الاستقرار والبناء واستحقاقات الإنجاز والتنمية، في كونها جريمة شائنة وآفة خطيرة، فإن الحاجة اليوم تزداد بشكل أكبر وأعمق، ووفق خطط واستراتيجيَّات ومنهجيَّات عمل أدق، إلى تضافر الجهود، وتكامل الأدوار، وتناغم السياسات، وترابط الخطط الوطنيَّة؛ بحيث تصبح مكافحة المخدرات مسؤوليَّة تشاركيَّة تقوم على التكامل بين الأجهزة الأمنيَّة، والمؤسَّسات التعليميَّة، والإعلام، والأُسرة، ومؤسَّسات المُجتمع المَدني، وسائر الجهات ذات العلاقة. وتشير الإحصاءات إلى أن جرائم المخدرات جاءت في المرتبة الثالثة ضمن تصنيف الجرائم في سلطنة عُمان خلال عام (2025م)، بنسبة بلغت (10%) من إجمالي الجرائم، فيما سجَّل تقرير الادعاء العام (4131) جريمة مرتبطة بالمخدرات والمؤثرات العقليَّة خلال العام نفسه، بينما بلغ عدد القضايا (6741) قضيَّة خلال عامي (2023م) و(2024م)، وهي مؤشرات تستوجب الوقوف عندها بجديَّة، بما يسهم في تعزيز الوعي المُجتمعي، واستشراف الحلول، ورفع كفاءة البرامج الوقائيَّة.ومع الجهود الكبيرة التي تبذلها شُرطة عُمان السُّلطانيَّة وما حققته من نجاحات متواصلة في ضبط شبكات التهريب والترويج المعقَّدة التي تعاملت معها في الفترة الماضية، فإن اتساع حجم التحدِّيات يفرض تعزيز الشراكة المُجتمعيَّة ورفع درجة الحسِّ الوقائي والأمني تجاه جريمة المخدرات والمؤثرات العقليَّة، في إطار رؤية عمل وطنيَّة عززتها الاستراتيجيَّة الوطنيَّة لمكافحة المخدرات بسلطنة عُمان للأعوام (2023 ـ 2028م) والتي أقرَّها المقام السَّامي لجلالة السُّلطان المُعظَّم بما تُمثِّله من انطلاقة جادَّة للجهات المعنيَّة باتخاذ الإجراءات اللازمة ووسائل الردع الضروريَّة للحدِّ من هذه الظاهرة؛ نظرًا لآثارها السلبيَّة (صحيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا)، والدلالات التي تحملها توجيهات جلالة السُّلطان المُعظَّم في اجتماع مجلس الوزراء في الثالث من يناير من عام 2023م في إطار استعراض البيانات والمؤشرات الواردة بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقليَّة، واستشعار جلالته ـ أعزَّه الله ـ لهاجس الخطر المترتب على انتشار ظاهرة المخدرات في المُجتمع العُماني والآثار السلبيَّة المترتبة عليها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والصحيَّة والأمنيَّة، وما يعنيه ذلك من التكامليَّة في العمل الوطني الموجَّه نحو الحدِّ من هذه الظاهرة، فإن نجاح المواجهة لا يتحقق بالإجراءات الأمنيَّة وحدها، وإنما بفتح آفاق أوسع لخيارات أكثر تأثيرًا وارتباطًا بالعمق الإنساني، عبر إيجاد مُجتمع واعٍ، يمتلك القدرة على الوقاية، ويدرك مسؤوليَّته في الإبلاغ، والتوعية، وحماية أبنائه من الوقوع في هذه الآفة.وعليه تتأكد الحاجة، في ضوء ما سبق، إلى إعادة بناء الوعي المُجتمعي تجاه قضيَّة المخدرات، باعتبارها قضيَّة وطنيَّة شاملة تتقاطع فيها الأبعاد الأمنيَّة والاجتماعيَّة والتعليميَّة والإعلاميَّة والدينيَّة والاقتصاديَّة. فالمواجهة الفاعلة لا تقتصر على ردَّة الفعل، بل تقوم على الوقاية الاستباقيَّة، وبناء الإنسان القادر على حماية نفسه ومُجتمعه، وتعزيز قِيَم الانتماء والمسؤوليَّة والالتزام.
ومن هنا، فإن المُجتمع بكل مؤسَّساته وهيئاته وجمعيَّاته ومُكوِّناته مدعوٌّ إلى إدراك مسؤوليَّاته الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة في مواجهة هذه الآفة، من خلال دعم الجهود الوطنيَّة، والتفاعل مع المبادرات التوعويَّة، وتعزيز ثقافة الوقاية، والإسهام في نشر المعرفة الصحيحة بمخاطر المخدرات وآثارها الصحيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة، كما أن من المهمِّ أن يطلع المُجتمع بصورة مستمرة على المؤشرات والإحصاءات المتعلقة بانتشار المخدرات والمؤثرات العقليَّة، بما يُعزِّز الشفافيَّة، ويرفع مستوى الوعي، ويمكن الأُسر ومؤسَّسات المُجتمع من قراءة الواقع قراءة واعية، بعيدًا عن التهويل أو التقليل من حجم المشكلة، وبما يساعد على بناء استجابات مُجتمعيَّة أكثر كفاءة وفاعليَّة.من هنا تأتي أهميَّة الشراكة المُجتمعيَّة الفاعلة والدور الاستباقي في مكافحة المخدرات، واستحضار جملة الإجـراءات التنفيذيَّة والتشخيصيَّة والتقييميَّة والتقنينيَّة والضبطيَّة والتشريعيَّة التي تستهدف السيطـرة على طلـب المخدرات وخفض مستوى العرض عليها من خلال تَبنِّي سياسات وطنيَّة مستدامة لتعزيز الوعي الجمعي وتأصيل ثقافة المسؤوليَّة واحترام الذَّات والمحافظة على مقاصد الشريعة وتوجيه الخطط الداعمة التوجيه الأمثل، وتعزيز البرامج الإعلاميَّة والتعليميَّة التثقيفيَّة والتوعية بشأن مكافحة المخدرات وسُبل الوقاية منها، وخلق التنوع والكفاءة والفاعليَّة فيها الموجَّهة لمختلف فئات المُجتمع، سواء طلبة المدارس والجامعات أو كذلك الشباب الآخرين ومختلف فئات المُجتمع والوافدين، وتعميق الشراكات الوطنيَّة وزيادة مستوى التنسيق والتكامل والحوار مع مختلف المؤسَّسات ذات العلاقة في بناء إطار وطني موحَّد في التعامل مع المخدرات، وتقليل فاقد العمليَّات المتكررة منعًا من أيِّ ازدواجيَّة في العمل أو انحراف في مسار الأداء. وإبراز دور مؤسَّسات المُجتمع المَدني بشكل أكثر فاعليَّة في تعزيز مسار الوقاية؛ باعتبارها مسؤوليَّة جماعيَّة تبدأ من الأُسرة، وتمتد إلى المدرسة، والجامعة، والمسجد، ووسائل الإعلام، والمؤسَّسات الثقافيَّة والرياضيَّة والشبابيَّة، لتكوين بيئة حاضنة للقِيَم، ومحفّزة على السلوك الإيجابي، وقادرة على تحصين النشء من المؤثرات السلبيَّة.ومع ذلك تبقى مسؤوليَّة الأُسرة اليوم هي مقياس القوَّة وخط الدفاع الأول في هذه المواجهة، والقوَّة الناعمة في التعامل مع هذه الجريمة؛ فالأُسرة اللبنة الأولى التي تتشكل فيها شخصيَّة الأبناء، وتتجذر فيها القِيَم، ويترسخ فيها الشعور بالمسؤوليَّة والانتماء، ثم إن دور الوالدين لا يقف عند حدود المتابعة والرقابة، وإنما يمتد إلى بناء الثقة، وتعزيز الحوار، والاحتواء النفسي، ومعرفة الرفقة، ومتابعة السلوك داخل المنزل وخارجه، واستثمار أوقات الفراغ فيما يعود بالنفع على الأبناء، حتى لا تكون الفراغات النفسيَّة والاجتماعيَّة مدخلًا تستغله جماعات الترويج لاستقطاب الناشئة والتغرير بها، وأن يدرك الوالدان والأزواج على مسؤوليَّتهم في رسم صورة إيجابيَّة في شخصيَّة الأبناء وحمايتهم من كل المُلوِّثات الفكريَّة، وإبعادهم عن المعكِّرات المزاجيَّة والمشوِّهات الناتجة عن حالة النزاعات والخلافات الأُسريَّة التي يجد خلالها النشء في ظل غياب الرقابة الأبويَّة والاهتمام الأُسري، فرصته في الخروج من المنزل، واللقاء بالشلل وأصدقاء السوء، إن لم يتحصن بشحنة الإيمان، ويتشرب قِيَم الفضيلة والشعور بالمسؤوليَّة، وبالتالي تكاتف الجهود لدعم الأُسرة وبناء قدرتها في التعامل مع هذه الظواهر ودعم المبادرات التي تستهدف تنمية المهارات الحياتيَّة للأُسر، وتمكينها من إدارة الوقت الأُسري، واستثمار الإجازات والفترات الحرة لدى الأبناء، بما يُعزِّز من تواصلهم الإيجابي مع بيئتهم، ويحدُّ من الفراغ الذي قد يُشكِّل مدخلًا للانحراف. وتتأكد اليوم أهميَّة دعم الأُسرة في التعامل مع التقنيَّة وتعزيز الأمان الرقمي والحدّ من تأثير فجوة التقنيَّة على كفاءة أداء الأُسرة لدورها، انطلاقًا من أن الفضاء الرقمي يُمثِّل اليوم أحد مدخلات انتشار هذه الجريمة بين الناشئة.وفي الوقت نفسه فإن تعظيم القِيمة المضافة للسياسات الوطنيَّة في مكافحة المخدرات والمؤثرات العقليَّة يتأكد اليوم في الاستمرار في رفع مستوى التوعية المُجتمعيَّة، وبناء أُطرها وحوكمتها وقياس أثرها، وتبنِّي مدخلات توعويَّة تتناسب مع طبيعة المخاطبين وأعمارهم، والاستفادة من هذه المناسبة وتوظيفها في تعزيز برامج التوعية المستدامة وانطلاقتها؛ ما يؤكد على أهميَّة تعزيز الشفافيَّة في عرض البيانات والإحصاءات المتعلقة بانتشار المخدرات، وتوضيح أنماط التعاطي، والفئات الأكثر عرضة، وأساليب الترويج؛ لِمَا يُمثِّله ذلك من ركيزة أساسيَّة في بناء وعي مُجتمعي واقعي، قادر على التعامل مع المُشْكلة بموضوعيَّة وفعاليَّة، وتوعية متوازنة قادرة على صناعة الأثر وإعادة تصحيح السلوك.أخيرًا، فإنّ ما حمله شعار هذا العام يعكس جهود سلطنة عُمان السباقة في رفع مستوى التنسيق والشراكة والتعاون الإقليمي والدولي، لذلك جاءت الاستجابة العُمانيَّة فيها عبر توقيعها على عدد من الاتفاقيَّات والبروتوكولات الدوليَّة ومذكرات التفاهم في مجال الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقليَّة وتبادل المعلومات، وفي عضويَّتها الفاعلة مع المنظَّمات والمراكز الدوليَّة والإقليميَّة المعنيَّة بمكافحة المخدرات والمؤثرات العقليَّة، وحضور اجتماعاتها الدوريَّة؛ إيمانًا من سلطنة عُمان بأن المخدرات جريمة ضد الإنسانيَّة، عابرة للحدود لا يحدُّها زمان ولا جغرافيًا، ممَّا يتطلب تضافر الجهود، وتعزيز التعاون والتنسيق الدولي لمكافحتها والتصدي لها.
د.رجب بن علي العويسي