الاثنين 29 يونيو 2026 م - 14 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

رحاب : الهمة براق الإنجاز

رحاب : الهمة براق الإنجاز
الاثنين - 29 يونيو 2026 10:35 ص

د ـ أحمد بن علي المعشني

يحكي عبد الكريم الجيلي في كتابه الإنسان الكامل قصة فقير سمع شيخه يقول يومًا: «من قصد شيئًا وجد وجده». فاستقرت هذه العبارة في قلبه، وتحولت من مجرد كلمات إلى يقين يدفعه إلى العمل. فقال في نفسه: «والله لأخطبن بنت الملك، وأبلغن فيها غاية الجد والاجتهاد»، ثم توجه مباشرة إلى الملك طالبًا الزواج من ابنته.ولم يكن الفقير صاحب مال أو جاه أو نسب يؤهله في نظر الناس لمثل هذا الطلب، لكن الهمة العالية جعلته يتجاوز حسابات الواقع المحدودة، وينظر إلى الغاية التي يريد الوصول إليها دون أن يثقل نفسه بأسئلة العجز والتردد.ولما علم الملك بأمره أراد أن يصرفه عن طلبه، فوضع له شرطًا ظنه مستحيلًا، فقال له: إن مهر ابنتي جوهرة تسمى «البهرمان»، لا توجد إلا في خزائن كسرى أنوشروان، ومعدنها في بحر سيلان، فإن أتيتنا بها زوجناك ابنتنا.ظن الملك أن الفقير سيعود أدراجه يائسًا، لكن الرجل لم يفعل. ذهب إلى البحر وأخذ يغرف الماء بقصعته الصغيرة ويلقيه على الشاطئ، واستمر على ذلك ليلًا ونهارًا، لا يلتفت إلى سخرية الناس ولا إلى ضخامة المهمة التي بين يديه.في نظر الآخرين كان ما يفعله ضربًا من العبث، أما في نظره فكان التعبير الصادق عن عزيمته. لقد بدأ بما يستطيع فعله، ولم يجعل عظمة الهدف سببًا للتراجع أو الاستسلام.ويذكر الجيلي أن صدق همته بلغ مبلغًا عظيمًا حتى شاء الله أن تتحقق له غايته، فقذف البحر إلى الساحل من الجواهر واللآلئ ما يكفي لتحقيق مطلبه، فحملها إلى الملك، وتم له الزواج من ابنته.

ثم يعلق الجيلي على هذه القصة بقوله: «فانظر يا أخي ما فعلت الهمة»، مبيّنًا أن قوة الإرادة وصدق التوجه من أعظم الأسباب التي تفتح للإنسان أبواب النجاح والتوفيق.ولعل القيمة الحقيقية لهذه القصة لا تكمن في تفاصيلها الرمزية بقدر ما تكمن في رسالتها العميقة؛ فمعظم الإنجازات الكبرى تبدأ بفكرة يراها الآخرون بعيدة المنال، ثم يأتي صاحب الهمة العالية فيبدأ الخطوة الأولى، ويواصل السير، ويثبت عند العقبات، حتى تتحول الأحلام إلى حقائق.إن كثيرًا من الناس يتراجعون قبل أن يبدأوا لأنهم ينظرون إلى ضخامة البحر، بينما أصحاب الإنجاز ينظرون إلى القصعة التي في أيديهم، ويبدأون العمل بما يملكون، فالإنجاز لا يولد من الأمنيات، وإنما يولد من همة صادقة، وعمل متواصل، وثقة بالله تعالى.ولهذا يمكن أن نقول إن الهمة هي البراق الذي يحمل الإنسان من عالم التمنيات إلى عالم الإنجازات، ومن حدود الواقع الضيق إلى آفاق الإمكان الواسعة. فمن عظمت همته هانت عليه الصعاب، ومن صدق في طلب غايته هيأ الله له من الأسباب ما لم يكن يحتسب.

د. أحمد بن علي المعشني

 رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية